تنزّهها عن الجهة وهي أحديّة صمديّة لا تقسمها الأوهام أصلا .
ولما علمت أنّ الحائط لا يقال له أعمى ولا بصير فإنّ العمى « 21 » لا يقال إلّا على من يصحّ أن يبصر فالبارى تعالى والنّفس الناطقة وغيرهما مما سيأتي ذكره ليست جسما ولا جسمانيّة « 22 » فهي لا داخلة العالم ولا خارجه ولا متصلة ولا منفصلة .
وكلّ هذه « 23 » من عوارض الأجسام يتنزّه عنها ما ليس بجسم فالنّفس الناطقة جوهر لا يتصوّر أن تقع عليه الإشارة الحسيّة من شأنه أن يدبّر الجسم و [ أن ] يعقل ذاته والأشياء [ الخارجة عنه ] بصورها وكيف يتوهّم « 24 » الإنسان هذه الماهيّة القدسيّة جسما والحال أنّه إذا طربت « 25 » طربا روحانيا « 26 » تكاد تترك عالم الأجسام وتطلب عالما لا يتناهى .
وهذه النّفس النّاطقة [ الانسانيّة ] لها قوى من مدركات ظاهرة وهي الحواسّ الخمس وهي « 27 » اللّمس والذّوق والشّم والسّمع والبصر .
ومن « 28 » مدركات باطنة كالحسّ المشترك الّذي هو بالنسبة إلى الحواسّ الخمس كحوض ينصبّ فيه أنهار خمسة وهو الّذي يشاهد صور المنام معاينة لا على سبيل التخيّل « 29 » .
ومن الحواسّ الباطنة الخيال :
وهو خزانة الحسّ « 30 » المشترك تبقى فيه الصّور [ المحسوسة ] بعد زوالها عن الحواسّ .
ومنها قوّة الفكريّة « 31 » :
الّتي بها التّركيب والتّفصيل والاستنباط .
ومنها الوهم :
وهو الّذي ينازع العقل [ في قضاياه ] حتّى أنّ المنفرد بميّت في الليل يؤمّنه عقله ويخوّفه وهمه وهو يخالف العقل في أمور غير محسوسة حتّى أنّ الّذين يتّبعون قضاياه ينكرون ما وراء المحسوسات ولم يتفكّروا أنّ عقولهم بل أوهامهم [ الّتي بها يحكمون ] وتخيّلاتهم [ ونفوسهم ] لا تحسّ بل لا يحسّ من الجسم إلّا السّطح الظاهر دون سمكه .
ومن الحواسّ الباطنة الحافظة .
وهي الّتي تكون بها ذكر سائر الوقايع والأحوال الجزئية .
هامش
( 21 ) الأعمى .
( 22 ) أجساما ولا جسمانيّين .
( 23 ) إذ كلّ هذه .
( 24 ) يتصوّر .
( 25 ) وهي إذا طربت .
( 26 ) روحيّا .
( 27 ) أعنى .
( 28 ) ولها قوى من .
( 29 ) التخييل .
( 30 ) للحسّ .
( 31 ) المفكّرة .