ولو نسخ بعضه لتطرق إليه البطلان ، ولا يجوز أن يصير شيء منه باطلا بمقتضى النصّ ، وبأنّ تجويز النسخ مناف لتعظيم القرآن وعلوّ شأنه ، فإنّه إنّما أنزل ليكون ناسخا للكتب المتقدّمة لا لأن يكون منسوخا في نفسه .
وأيضا كلّ موضع يظنّ نسخه فإنّ له محملا وتأويلا يصرف عنه النسخ ، ولا ضرورة إلى القول بالنسخ مع وجود ذلك المحمل والتأويل كما ذكره الإمام في التفسير الكبير .
وأقول : قد عرفت أنّ النسخ ليس إبطالا للحكم ، بل هو إمّا بيان انتهاء الحكم أو رفع احتمال بقائه ، وغاية الأمر فيه أن يكون تخصيصا بحسب الأوقات كما سيجئ . « 22 »
فهذا الدليل ضعيف جدّا ، والنسخ بهذا المعنى في بعض الآايات ليس منافيا لتعظيم القران ، ولا لكونه بجملته ناسخا للكتب المتقدمة .
وأمّا أنّ القول بالتخصيص أولى من القول بالنسخ [ وأنّ النسخ أردأ الاحتمالات ] « 23 » ، فلعلّه مبنى على توهّم أنّ النسخ إبطال الحكم ، وهو باطل جدّا كما عرفت ، بل هو رفع لاحتمال بقاء الحكم ، والحكم لم يكن شاملا لجميع الأوقات [ بل كان في قوّة المهملة بحسب الوقت فإنّ الحكم لم يكن مقيّدا بالدوام ] « 24 » ففيه تبيين للحال ورفع للاحتمال فيكون من هذه الحيثية أولى من التخصيص [ إذ التخصيص اخراج بعض الأفراد واستثنائه عن الحكم ، وهذا لا يوجب إخراجا ولا استثناء أصلا بل هو بيان ] « 25 » .
نعم إذا ورد حكم على التأبيد أو في أوقات معيّنة ، ثم ورد حكم بخلافه في بعض الأوقات أو في بعض تلك الأوقات كان ذلك تخصيصا بحسب الأوقات بعد التعميم فيها .
[ وقلّ ما يوجد في النسخ مثله ] « 26 » وحينئذ يكون هو بعينه من قبيل التخصيص ولا يترجّح أحدهما على الاخر وعند هذا يظهر أنّ القول بترجيح التخصيص على النسخ مبنى على تصور أنّ النسخ إبطال للحكم .
وقد بان من ذلك البحث أنّ ما يتوهّم من أنّ موسى عليه السّلام قال : أقيموا هذا السبت ما دامت السّماوات والأرض وقد نسخ بدين سيدنا محمد ( ص ) فيكون النسخ إبطالا للحكم ساقط جدّا .
هامش
( 22 ) ليس إبطالا للحكم بل هو رفع لاحتمال بقاء الحكم كما سبق تفصيله . د
( 23 ) ليس في نسخة . د
( 24 ) ليس في نسخة . د
( 25 ) ليس في نسخة . د
( 26 ) ليس في نسخة . د