والأين والشكل فلا نعيدها هاهنا وقد جرت العادة بإعادة الحجة المذكورة هناك لتصحيح هذه الدعوى هاهنا واما نحن فإنما نتكلم هاهنا في شيء آخر ( وهو ان ) الحكماء اتفقوا على أن تلك القوى التي هي مبادى لما في الأجسام من الكيف والأين والشكل هي صور لا اعراض ولم يقيموا على ذلك حجة فيجب علينا ان نبحث في ذلك * ( فنقول ) لقائل ان يقول ألستم قد بينتم في باب العلة الصورية ان المادة الواحدة لا تتقوم بصورتين فالهيولى إذا وجدت فيها الصورة الجسمية فلو وجدت فيها صورة أخرى لكانت الهيولى متقومة بصور كثيرة وهي محال ( وجوابه ) ان البرهان انما قام على امتناع تقوم المادة لصورتين في درجة واحدة فاما ان تتقوم المادة بصورتين على التقديم والتأخير فذلك مما لم يقم البرهان على امتناعه * ( واعلم ) انه ليس المعنى بقولنا المادة متقومة بالصورة امتناع خلوها عن تلك الصورة فان المادة قد تعرى عن الصورة المائية أو الهوائية أو غيرهما مع أن كل ذلك صور وأيضا فهي لا تعرى عن كثير من الاعراض مثل الأين والشكل مع أنها ليست بصور بل المعنى بالصورة ما يكون حالا في المادة ويكون سببا لتقومها على الوجه المذكور فيكون المعنى بتقوم المادة بصور كثيرة على الترتيب وهو ان المادة محتاجة في وجودها إلى الجسمية والجسمية محتاجة في وجودها إلى الصورة النوعية * ( واعلم ) ان الذي حصل لنا بالدليل استناد هذه الاعراض مثل الأين والكيف وغيرهما إلى قوى موجودة في الجسم محفوظة الذوات تعيد الأجسام إلى هذه الكيفيات عند زوال القواسر والموانع واما ان تلك
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 62
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٦٢