على شره فالأولى فيه ان يكون موجود الوجهين * ( الأول ) انه ان لم يوجد فلا بد وان يفوت الخير الغالب وفوات الخير الغالب شر غالب فإذا في عدمه يكون الشر أغلب من الخير وفي وجوده يكون الخير أغلب من الشر فيكون وجود هذا القسم أولى ( مثاله ) ان النار في وجودها منافع كثيرة وأيضا مفاسد كثيرة مثل احراق الحيوانات ولكنا إذا قابلنا مصالحها بمفاسدها كانت مصالحها أكثر من مفاسدها ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح وكانت مفاسد عدمها أكثر من مصالح وجودها فلا جرم وجب ايجادها وخلقها * ( الثاني ) وهو ان الذي يكون خيره ممزوجا بالشر ليس الا الأمور التي تحت كرة القمر ولا شك انها معلولات العلل العالية فلو لم يوجد هذا القسم لكان يلزم من عدمها عدم عللها الموجبة لها وهي خيرات محضة فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة وذلك شر محض فإذا لا بد من وجود هذا القسم * ( فان قيل ) فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور * ( فنقول ) لأنه لو خلقها كذلك لكان هذا هو القسم الأول الذي يكون خيرا محضا وذلك مما قد فرغ عنه * ( وقد بقي ) في العقل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبا على شره وقد بينا ان الأولى بهذا القسم ان يكون موجودا * ( وهذا الجواب ) لا يغنى لان لقائل ان يقول إن جميع هذه الخيرات والشرور انما توجد باختيار اللّه تعالى وارادته مثل الاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبا عن النار بل اللّه اختار خلقه عقيب مماسة النار وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار اللّه تعالى وارادته فكان يمكنه ان يختار خلق الاحتراق عندما يكون خيرا وان لا يختار خلقه عندما يكون شرا
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 522
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٢٢