فهذه الأنواع الثلاثة من الرؤيا مما لا عبرة بها بل هي من قبيل أضغاث الأحلام واما الرؤيا الصادقة فالكلام في ذكر سببها مبني على مقدمتين * ( إحداهما ) ان جميع الأمور الكائنة في العالم مما كان ومما سيكون ومما هو كائن موجود في علم الباري تعالى والملائكة العقلية والنفوس السماوية * ( وثانيتهما ) ان النفوس الناطقة من شأنها ان تتصل بتلك المبادى وتنقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادى وان عدم حصول تلك الصور ليس للبخل من جهة تلك المبادى أو لعدم كون النفس قابلة لتلك الصور بل لأجل ان انغماس النفس في البدن وعلائقه صار مانعا من ذلك الاتصال التام * ( وإذا عرفت ذلك فنقول ) ان النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن اتصلت بطباعها بالمبادئ فينطبع فيها من الصور الحاصلة عند تلك المبادى ما هو أليق بتلك النفس وأولى الأمور بها ما يتصل بذلك الانسان أو بأصحابه وأهل بلده واقليمه فإن كان الانسان منجذب الهمة إلى المعقولات لاحت له منها أشياء ومن كانت همته بمصالح الناس رءاها * ( ثم إن المتخيلة ) التي من طباعها محاكاة الأمور تحاكى تلك المعاني الكلية المنطبعة في النفس بصور جزئية ثم تنطبع تلك الصور في الحس المشترك فتصير مشاهدة ثم إن الصور التي ركبتها المتخيلة من ذلك المعنى اما أن تكون شديدة المناسبة لذلك المعنى حتى لا يكون بين المعنى الذي أدركته النفس وبين الصور التي ركبتها المتخيلة فرق الا من جهة الكلية والجزئية فتكون الرؤيا غنية عن التغير وان لم تكن كذلك الا انه مع ذلك بين تلك الصورة وبين ذلك المعنى نوع مناسبة مثل ان تصور المعنى بصورة ضده أو بصورة لازم من لوازمه فحينئذ يحتاج إلى التغير وفائدة التغير التحليل بالعكس اعني ان يرجع من الصورة التي
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 421
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٢١