( واعلم ) انه ليس من الواجب في صحة ما قلنا إن لا يكون عقل شيخ يكل بل إذا كان عقل ما لم يكل في الشيخوخة وان كان سائر العقول يكل فالمطلوب قد صح فإنه ان كانت النفس محتاجة في ذاتها إلى البدن كان اختلال البدن موجبا لاختلال النفس لا محالة فحينئذ يستحيل ان يختل البدن وتكون النفس سليمة اما إذا كانت النفس غنية في ذاتها عن البدن لا يلزم ان تختل افعال النفس عند اختلال البدن نعم قد يجوز ان يكون اشتغالها بتدبير البدن عند اختلاله يعوقها عن سائر افعالها وذلك مثل ما يعرض للفارس الراكب فرسا ردي الحركات فإنه يصير اشتغاله بمراعاة مركبه مانعا له عن افعاله الخاصة به وليس صدورها عنه بشركة الفرس ويجوز ان يكون الفعل الذي ليس بالشركة موقوفا على الفعل الذي بالشركة مثل انه قد يحتاج في اكتساب المعقولات في أول الأمر إلى تخيلات تتصرف فيها النفس تصرفا سنذكره فإذا عاقت عن استعمال التخيلات آفة في أعضاء التخيل كلت القوة العاقلة عن افعالها فالشيخ إذا عرض له الانصراف عن المعقولات فالسبب فيه انه قد شغل عن افعاله الخاصة أو عرضت الآفة لشيء ربما احتاج اليه في هذه الأفعال لا لان جوهر نفسه قد ضعف فان الشيخ لو اعطى عينا كعين الشاب في المزاج لكان حسه مثل حس الشاب بل الشيخوخة ضعف في الآلات البدنية يشبه حال السكر والاغماء * ( فان قيل ) الشيخ لعله انما يمكنه ان يستمر في افعال عقله على الصحة لان عقله يتم بعضو من البدن يتأخر اليه الفساد والاستحالة وان ظهرت الآفة في سائر القوى والافعال * ( فنقول ) الأعضاء الطرفية انما يلحقها الضعف والفساد لضعف يسبق
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 367
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٦٧