( فان قيل ) ان نفسي تدبر بدنا كليا ثم إنه يتخصص ذلك التدبير بتخصص القابل * ( فنقول ) ان كل عاقل يجد من نفسه انه لا يحاول تدبير بدن كلى بل مقصوده تدبير بدنه الخاص وأيضا فتخصص هذا التدبير بسبب القابل انما يعقل ان كان البدن الشخصي قابلا لتدبير معين لا يقبله سائر الأبدان وليس الامر كذلك فان كل تدبير يقبله سائر الأبدان فيستحيل ان يكون تخصص التدبير لتخصص القابل فهذه هي الوجوه الكلية في بيان ان النفس هي المدركة للجزئيات * ( وهاهنا وجوه خاصة ) الأول ان يدعى ان محل الشهوة والنفرة ليس هو الجسم لان كل جسم كما ثبت منقسم فلو كان محل الشهوة والنفرة هو الجسم لم يمتنع ان يقوم بأحد طرفي الجسم شهوة وبطرفه الآخر نفرة حتى يكون الشخص الواحد في الحالة الواحدة مشتهيا للشيء ونافرا عنه وذلك محال * ( الثاني ) ان يدعى ان القوة الوهمية قوة غير جسمانية والا لانقسمت العداوة والصداقة لانقسام محلهما فحينئذ يكون للصداقة ربع وثلث وذلك بعيد جدا * ( الثالث ) ان يدعى ان الحفظ والخيال قوى غير جسمانية ويحتج بوجوه ثلاثة * ( الأول ) انا قد دللنا على أن الصور التي يشاهدها النائمون والممرورون أو يتخيلها المتخيلون أمور وجودية محتاجة إلى محل ومن الظاهر أنه يمتنع ان يكون محلها جزأ من البدن لما ثبت في بداية العقول من استحالة انطباع العظيم في الصغير فإذا محلها شيء غير جسماني وهو النفس * ( الثاني ) ان الصور الخيالية لو كانت منطبعة في الروح الدماغية لكان لا يخلو اما ان يكون لكل صورة موضع غير موضع الصورة الأخرى
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 334
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٣٤