تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأفلاطونية المحدثة عند العرب — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
وكذلك ، يا نفس ، ينبغي أن تحذرى الشرب والسكر : فإن السكر يجعل النفس كالسفينة « 1 » الجارية في تيار الماء وأمواجه وليس فيها ملّاح ولا مدبّر يدبّرها . فكذلك النفس إذا فارقت العقل جرت الطبيعة بها « 2 » جريا هائما لا ترتيب له ولا نظام ، فهلكت وتلفت . يا نفس ! إن الشئ الذي يأتيك علمه « 3 » ثم يعاودك نسيانه فتيقنى أنه إنما يأتيك علمه « 4 » من خارج ذاتك بمادّة تتوسّط بينك وبين علم ذلك الشئ . فإذا عاودك نسيانه فإنما ذلك من قبل ظلمة الجسد واختلافه وثقله واجتذابه إياك إلى ذاته ، وإعاقته لك بكثرة أضداده « 5 » وتركيبه ، فتعودين ، يا نفس « 6 » ، ناسية لما قد كنت ذكرته ، وجاهلة لما قد كنت علمته ومثل ذلك يا نفس كمثل البصر والمبصرات والظلمة والنور ، وذلك أن البصر يكون في الظلمة وتكون المبصرات حاضرة بين يديه فلا يراها ويضعف عن إدراكها . فإذا ورد إليه النور المضيء أعانه على إدراك مبصراته ومحسوساته التي قد كانت قبل ذلك غائبة عنه ، فكان ذلك النور سائقا له إليها ومتمّما له إدراكه إيّاها ، وجاعلها فيه بالفعل بعد أن كانت فيه بالقوة . فما دام البصر واجدا ذلك « 7 » النور فهو واجد لمبصراته ومدرك لها . فإذا فقد النور وعاودته الظلمة عاد إلى فقد « 8 » جميع محسوساته . ولو دام له النور أبدا لدام له الإدراك أبدا - ما دام النور وعدم الظلمة . فإذا كان قد اتضح لك ، يا نفس ، أن النور يأتي من قبل العقل ، والظلمة تأتى من قبل الجسد ، فينبغي لك يا نفس الّا تأسفى « 9 » على فراق الجسد لشدّة إضراره بك وخذلانه إيّاك وإعاقته لك عن إدراك معلوماتك الدائمة « 10 » الحقيقية ، بل ينبغي لك يا نفس أن تأسى « 11 » على مفارقتك عالم العقل النوري « 12 » لكثرة منافعه لك ومساعدته
هامش
( 1 ) ص ، س : المارة ع ، ر : تيار شدة جرى الماء .
( 2 ) كذا في ص ، س . وفي ب : جريانا مائلا ( ! ) . وفي ل : جريانا هياما .
( 3 ) ما بين الرقمين ناقص في ر ، ع .
( 4 ) ما بين الرقمين ناقص في ر ، ع .
( 5 ) ص ، س : لك بتوسط تلك المادة وتركيبه .
( 6 ) يا نفس : ناقصة في ب .
( 7 ) كذا في ص ، س . وفي ب : لذلك النور . وفي ل : ذلك بالنور .
( 8 ) ب : فقده .
( 9 ) ب : تأيسى . ر ، ع : تتأسفى .
( 10 ) الدائمة الحقيقية : ناقصة في ب ، وواردة في س ، ع ، ر .
( 11 ) ب : تأيسى .
( 12 ) النوري : ناقصه في ب .
الأفلاطونية المحدثة عند العرب — صفحة 76 | عبد الرحمن بدوي