أحدهما من جهة صانعها وموجدها استدلالا بالصانع على صنعه ، وهو برهان اللم ، كما قال :
« أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »
، كما هو دأب الأفاضل من الأنبياء والحكماء ، عليهم السّلام . والثّاني من جهة افعالها وآثارها المحسوسة ، كما قال :
« قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
، وقال :
« أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
وملكوتها نفوسها (
a
274 ) وعقولها . وهذه طريقة أكثر الخليقة من أهل الشرع والحقيقة ، وما سواهما عبدة الطبيعة .
« ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »
.
وامّا الباقي من الاقسام المحصورة ، ( م 181 ر ) وهو انّ المطلوب ليس داخلا في حيز الذهن ، ولا في عرصة العين ، ولا في ساحة العقل ، ولا في فضاء الوجود ، بل لا يسع لاطلاق اسم الدّخول واللادخول عليه ، لكونه لا شيئا صرفا . بل اللاشىء الصرف انّما ينطلق عليه لضيق العبارة ، ولملاحظة العقل ايّاه تبعا للوجود والكون ، ومع هذا هو ابعد وجوه المجاز ؛ فهذا القسم لا يمكن طلبه ، لكونه عديم الفائدة والجدوى ، بل لغاية خفائه وظلمته .
إذا عرفت هذه الاقسام ، فاعلم انّ هذه الجواهر والاعراض الجسمانيّة واللآلي واليواقيت الروحانية الّتي نظمناها في قلادة واحدة ، مرصّعة بعقايق حقائق البرهان (
b
274 ) ترصيع الدرر والمرجان على عقد الجمان ، وسميّناها بالبلغة في الحكمة . وجعلنا اوّل القلادة واجب الوجود الّذي هو واهب الجود ، وواسطتها الجسمانيّات الظلمانيّات ، وآخرها الانسان سبّاق الأطراف والغايات ، وصاحب الرّايات والآيات ، كما هو سلك الوجود الواقع بايقاع الجواد الصانع ، اعلق ممّا يعلق بعنق كلّ كلب عقود ، اعلاق عنقود الثّريا فوق كنيف مغمور . بل يجب ان يضنّ بها كلّ الضنّ ، ولا يطلع عليها أعين الانس والجنّ ، إذ هي فرائد خرائد سدول الجلال ، نفائس عرائس مخدرات الحجال . ولا ايمان لمن لا أمانة ( م 181 پ ) له ، ولا دين لمن لا حمية له .
ولهذا قال ، عليه السّلام : « القدر سرّ اللّه ، فلا تفشوه ، ومن عرف سرّ القدر ، فقد الحد » هي من القسم الّذي يمكن طلبها ، فيجب اذن طلبها ، لئلّا يفوت حق الامكان والقوّة ، المفوّت لسعادة النبوّة والفتوّة ، على قدر (
a
275 ) الوسع . وان كان الوصول