مال محال . فانعمت العناية التامّة بها ، « 1 » ليتيسّر لنا الانتقال منها إلى الثواني الكسبية .
فهذه (
b
271 ) هي اقسام الأشياء الحاضرة في الذهن حضورا واجبيّا ضروريّا ، وحصولا امكانيّا استعداديّا ، والاوّل سمّيناه أوليات ، والثّاني سميّناه كسبيّات .
وإلى هذين النوعين من العلم أشار قوله ، تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
» هو الكسبيات ، وممّا أخرجنا لكم من الأرض هو الاوليّات المغروسة في الفطرة ، ولا تيمّموا الخبيث هو الوهميّات الكاذبة .
واما القسم الثّاني ، وهو أن تكون الأمور حاضرة خارج الذّهن ، فهذا لا يخلو امّا ان كان ( م 179 پ ) موجودا في العين ، ا ولم يكن . فإن كان موجودا في العين ، وهو جميع عالم الأجسام ؛ فهذا يمكن تحصيله من وجه دون وجه ، لان لعالم الأجسام ظاهرا محسوسا وباطنا معقولا . ولهذا قال ، عليه السلام : « أرنا الأشياء كما هي » . فدلّ ان الأشياء ليست كما هو محسوس صرف ، بل في باطنها اسرار (
a
272 ) مخبوة معقولة ، وتلك كالهيولى والطّبيعة والكيفيّات والاعراض المعقولة . فمن الوجه الّذي هو محسوس لا يمكن طلبه لحصوله . ولان اشهر الأشياء للانسان واعرفها له هو المحسوسات ، فكيف يكون ما عداه من المخفيّات المنظلمة معرّفا لها إذ الشئ ما لم يعرف نفسه أولا بنوع جلائه « 2 » ، لا يصير معرفا لغيره ضرورة ، بل من الوجه الّذي هو معقول ، فيتوصّل بمحسوسة إلى معقوله .
ومن هذا يظهر بطلان قول من ظنّ ان الأشياء اما ان يجب حضورها ، أو يمتنع ، حتّى يحكم بكون كلّ العلوم اما واجب الحصول ، أو ممتنع الحصول فحسب ، ويسدّ باب الكسب ، ويفتح باب الجبر ، ويعطّل الانسان عن تحصيل العلوم . مع أن الامر بتحصيلها وارد في جميع الشرائع والأديان من أصحاب (
b
272 ) البرهان والايمان ، خصوصا في شرعنا الكامل وديننا الشامل فوق الف مرّة .
ومن الغلاة في هذا الباب الشيخ الإمام العلامة محمد الرازي في أكثر كتبه ، خصوصا في المحصّل ، حيث بالغ فيه . والعجب انّه ، رضى اللّه عنه ، اختار هذا المذهب في التصوّرات ، وأقام البرهان على ( م 180 ر ) زعمه تقريرا لمطلوبه ، مع أن دليله عام يشمل التصوّرات
و
هامش
( 1 ) - م : فيها .
( 2 ) - ر : جلاء ، م : جلا .