( 81 ) وقد شغب في هذا شاغبون ، فقالوا : لا بد لجانبي اختلاف المخصوص من أن يكون أحدها صادقا ، والآخر كاذبا على كل حال . فان فلانا كائن كاتبا أو غير كائن كاتبا . ووصلوا بهذا القول أفحش منه واخلف . فقالوا : ليس من الأمور ممكن كما يصفون ، ولكنّها كلّها اما واجبة واما ممتنعة . فان مخبرا لو أخبرنا بالأمس عن رجل قدم اليوم انه مقدم اليوم ، لكان صادقا ؛ ولو اخبر بأنه لا يقدم ، كان كاذبا . فان صدق من المخبر ان يخبر عما هو كائن بأنّه كائن ، والامر الذي هو كائن واجب ، والّذي ليس بكائن ممتنع ؛ قالوا : وكل امر اما واجبا أو ممتنعا ، لأنه اما كائنا أو غير كائن 59 . ولا موضع للممكن الذي يذكرون لا ليسيره ولا لعسيره ولا بمعتدله .
وقد ردّ عليهم أرسطاطاليس ما نقض به باطلهم ، وأثبت ان من الأمور ممكنا وواجبا وممتنعا ، وانها ليست كما ذكر الجهال : من أن كلّها اما واجبة واما ممتنعة .
( 82 ) ونحن نادبون 60 قبل كلام أرسطاطاليس الذي رد به هذا الباطل بإبانة ما عرض في القول بذكره من هذه الضروب الثلاثة ، من الممكن الذي هو اليسير والعسير والمعتدل . اما اليسير فكما يرجى من المطر عند استواء السّحاب ، فجاز 61 من الشتاء . واما من العسير ، فكطمع الرّاعى والشبيه به من سفلة الناس في إصابة 62 الملك والشرف . واما المعتدل فكر جاء المرآة الحاملة للاذكار ، فإنه رجاها قوى من خوفها للإناث . ولهذا سمّى هذا الضرب من الممكن معتدلا .
( 83 ) ونحن منصرفون إلى ذكر ما ردّ به أرسطاطاليس قول الذين قالوا :
الامر واجب أو ممتنع ، كان ما رد به قولهم ان قال : ان الأمور لو كانت اما واجبة أو ممتنعة كما ذكرتم ، لكانت الفكرة فضلا . وذلك ان مفكرا لو فكر ما الذي ينبغي له العمل به ، ان لم يقدم فلان ؛ لم يجز له هذه الفكرة ، لان « قدم فلان » قد يكون وقد لا يكون . ولو كان قدومه واحتباسه واجبا ؛ كانت فكرة المفكر في ذلك حمقا وفضلا ، كما أن فضلا من أن المفكر ان يفكر في النّار : أتسخن أم لا تسخن ؟
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 44
مساهمون: ابن المقفع
ص٤٤