( 74 ) ولمّا فرغ من احصاء عدد القضايا التي في الكلام المؤلف من اسم وو حرف ؛ اخذ في اختصار عدد ضروب الاختلاف في الكلام ، والفصل من ضروبه بين : ما لا يزال متناقضان ، وما قد يكون غير متناقض . يقال لما 52 كان من أمور ، عامّ وخاصّ ، العامّ كالانس ، والخاصّ كالانسان الواحد . لم يكن الكلام الفصل الموجب منه ، والسّالب ، لا بدّ من أن يكون منه ما يقع على العامّ ، ومنه على الخاصّ .
( 75 ) قال : وأسوار الكلام الذي يفرق بين العامّ الّذي هو الكل ، وبين الخاصّ الّذي هو البعض أربعة : منها « كلّ » كقول القائل : كلّ انسان حيّ - . ومنها « بعض » كقوله : بعض النّاس حيّ . ومنها « ولا واحد » كقوله : ليس أحد من النّاس بحىّ . ومنها « لا كلّ » 53 كقوله : ليس كلّ النّاس بحىّ .
قال : فاثنتان من هذه الاسوار الأربعة عامّان ، واثنتان منها خاصّان . اما العامّان ف « كلّ » و « لا واحد » أحدهما عامّ موجب ، والآخر عامّ سالب . واما الخاصّان ف « بعض » و « لا كلّ » أحدهما خاصّ موجب ، والآخر خاصّ سالب .
( 76 ) قال : وانّما يتناقض القولان من الاثبات والابطال ، إذا عنى بالامر الواحد ، الشّىء الواحد ، في وقت واحد ، تلقاء شئ واحد ، بلا مغالطة ، لتشابه الأسماء . وذلك ان لكل كلمة فصل حدّين : أحدهما الاسم ، والآخر الحروف الّذي يحمل على الاسم . كقول القائل . فلان حيّ . ومن عادة الفيلسوفيين ان يسمّوا الاسم الحدّ الموضوع ، والحرف الحدّ المحمول .
قال : وانما يكون تناقض الاثبات والابطال إذا عنى بالامر الواحد الشّىء الواحد . وهو ان يكون الحدّ الموضوع والحدّ المحمول واحدا . وذلك ان قائلا لو قال : فلان حيّ ، وقال آخر : فلان غير كاتب ؛ لم يكن هذا القولان ، وان كان أحد هما اثباتا والآخر ابطالا ، بمتناقضين ، لانّ الحدّ المحمول ليس بواحد . وذلك انّ أحدهما أثبت لفلان الحياة ، والآخر أبطل عنه الكتابة .
وقال : لو قال قائل : الانسان ناطق ، وقال الآخر : الحمار غير ناطق ، لكان أحد هذين القولين اثباتا والآخر ابطالا . ولكنّه لما لم يكن الحدّ الموضوع واحدا ، لم يكونا متناقضين ، ولكن أحدهما أوجب النطق للانسان ، والاخر سلب عن الحمار
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 36
مساهمون: ابن المقفع
ص٣٦