وان وقفنا أخذنا . وهو أمر ضروري لا بد من نزوله علينا وأخذه بنواصينا فأي فايدة في الاحتكار والاشتغال بالأمور الدنيوية وهي متروكة وراء ظهورنا عند طول الاجل ، فينبغي للعاقل في هذه الأيام اليسيرة ان يسعى في تحصيل الكمال الذي لأجله خلقنا وسننتظر الموت ونفرح به ، فإنه الباب الموصل إلى اللّه تبارك وتعالى ولا يكرهه الا المخذولون المشتغلون بالأمور الفانية والأحوال الزائلة ؛ وقد قال عليه السلام « من كره لقاء اللّه كره اللّه لقائه » ، و « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقائه » ، فان محبة اللقاء دليل على تحصيل الكمال والخير والكراهة للقائه دليل على الأحمال .
وقال صلى اللّه عليه وسلم « أكثروا من ذكر هادم اللذات » فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه عليه ولا في سعة الا ضيقها . وخوف الناس من الموت سببه الجهل والفوت ، فان الموت لا يطرأ على النفس الناطقة ولا يعدمها بل مفارقة البدن لا غير ، فإذا تيقن العاقل ان الكون في هذا العالم محال وان كون النفس في العالم العلوي اصلح لها من كونها في هذا العالم الخسيس ذهب عنها فرق الموت وخوفه واشتغلت بما يصلحها في المعاد ويقز بها من ارشاد وتذكر الموت مع أنه لا يقرب اجلها ، بل يفيدها ثلاثا القناعة بما رزق والمبادرة بالتوبة قبل الاوبة والنشاط في العبادة واما ان الدار الآخرة لهى الحيوان ، اعني الدار الآخرة ليست كالدار الدنيوية التي ليست الحياة الحيوانية فيها الا في الحيوانات فقط دون غيرها من النبات والجماد ، بل الدار الآخرة الفلكية العقلية كلها حياة ليس فيها شيء يخلوا عن الحياة والروح والراحة والريحان ، فإنها طبقات الجنان المملوءة من اللذة والرحمة والرضوان . فيجب على العاقل ان يول وجهه شطرها ويقبل بالجد عليها . فاذكروا اللّه كثيرا ، فان الذكر الدائم بالاخلاص مما يقرب إلى اللّه تعالى والدار الآخرة كما جاء في الأحاديث النبوية : « ذاكر اللّه في الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة » . وقد وردت آثار كثيرة في الذكر والمواظبة عليه وانه أصل طريق الآخرة و « لا تموتن الا وأنتم مسلمون » ، اى اجتهدوا ان لا تموتوا الا وأنتم مسلمون
شرح حكمة الاشراق — صفحة 603
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٦٠٣