[ غرض العارف ومقصوده فيما يطلبه ]
فيجب الآن أن نذكر غرض العارف ومقصوده فيما يطلبه ثم نذكر بعده أحوالهم المترتبة في طريق سلوكهم إلى الحق الأوّل من ابتداء حركتهم إلى النهاية التي هي الوصول إلى اللّه وما يسنح لهم في كل منزل منها : فنقول « 1 » : إنّ العارف يريد الحق الأوّل لا لشيء غيره ، لأنّه عاشق للكمال الحقيقي فهو لا يؤثر شيئا على عرفانه وعبادته للحق تعالى لذاته ، لا لرغبة في الثواب ولا لخوف من العقاب ، بل لأنّه مستحق للعبادة . فإرادة العارف وعبادته له يتعلقان بالحق الأوّل لذاته ، وإن تعلّقا أحيانا بغيره فيكون ذلك التعلق لأجل الحق أيضا ؛ كما ذكرنا « 2 » أنّ غرض العارف من العبادة رياضة لقوى « 3 » نفسه ليجرّها بالتعويد إلى جناب الحق ؛ وليس جرّ القوى إلى جناب الحق هو الحق تعالى ، بل العارف هو الذي يقصد الحق ويطلبه بالذات وإن قصد غيره فبالعرض لأجل الحق تعالى « 4 » . وجمهور الخلق غير العارفين « 5 » مقصودهم من الزهد والعبادة ليس هو الحق بل هو الثواب والخوف من العقاب ، ويكون الحق واسطة في ذلك . والمستحل توسيط الحق مرحوم لأنّه لم يطعم لذة البهجة فيستطعمها « 6 » بل أنسه مع اللذّات الجسمانية والشهوات الظلمانية . وقد قيل في الوحي الإلهي لداود عليه السلام : « يا داود من أظلم ممّن عبدني لجنة أو نار ولو لم أخلق الجنة والنار لم أكن أهلا لأن أعبد ! » .