وأمّا خرق العادة الصادرة عن السخرة وغيرهم فإنّها لم يحصل فيها هذان القيدان فلا تكون معجزة ؛ ف « خرق العادة » قيد يمتاز به النبي عن الأمر الذي يفعله من لا يدّعي النبوة . وإنّما شرطوا الاقتران بالتحدّي ليخرج عنه الكاذب الذي اتخذ معجزة الأنبياء الماضين حجّة لنفسه ، فإنّها « 1 » غير مقرونة بالتحدّي ؛ وكذا يتميّز بقيد التحدي الخوارق الظاهرة من الأنبياء قبل بعثتهم ؛ ويتميّز أيضا به الخوارق الصادرة عن الأولياء التي تسمى « كرامات » . ويخرج بقيد عدم المعارضة السّحر والشعبذة ، فإنّها وإن كانت خارقة للعادات مقترنة بالتحدّي إلّا أنّها معارضة ؛ على أنّ العقل يحكم بأنّ مشاهدة المعجزات الخارقة للعادات التي هي آثار نفوس الأنبياء تدل على كمال نفوسهم وتصديق أقوالهم . ولا ينتقض ما ذكرناه بسكّان الأطراف الذين يعيشون منتظمي الأحوال من غير نبي ولا شريعة ؛ فإنّا لم ندّع أنّ وجود النبي والشريعة - التي يأتي بها - ضروريتان « 2 » في حياة الإنسان وبقائه ؛ بل الذي ادّعيناه أنّ نظام الاجتماع المدني في المعاش الدنيوي والمعاد الأخروي لا يكمل ولا يتم إلّا بنبيّ وشريعة على الوجه الذي قرّرناه ، وذلك القدر يكفي في وجود النبي والشريعة ؛ على أنّ سكّان الأطراف لابدّ لهم في معاشهم من سياسات ضرورية وضوابط كلية « 3 » .
[ فوائد أخرى من بعثة الأنبياء ]
وقد ذكر الحكماء - رضي الله عنهم « 4 » - عدة من فوائد بعثة الأنبياء - عليهم السلام - غير ما ذكرناه : فمن تلك الفوائد ، معرفة طبائع الأشياء المتكوّنة على وجه الأرض ، فإنّه