فوجب أن يكون معها سبب حافظ لتلك المعرفة ؛ ففرضت عليهم العبادات المذكرّة بالمعبود والشارع ، كالصلوات والصيام والزكوات وغيرها من أنواع العبادات « 1 » ؛ وكررت العبادات عليهم لئلا ينسون ويهملون مع القرن « 2 » الأوّل الذي يلي النبي . فعلم من هذه المقدمات أنّ نظام العالم لا يتم ولا يكمل إلّا بوجود النبي ، فيجب أن يدخل في الوجود بحكم العناية الأولى ؛ فإنّه لو « 3 » لم يوجد لزم أن يفوت جميع ما ذكرناه من المصالح . فاحتياج الخلق إليه أشدّ من احتياجهم إلى إنبات الشعر على الأجفان والحاجبين ، وتقعير أخمص القدمين « 4 » ، وغير ذلك من المنافع الغير الضرورية ؛ فكيف يجوز في العناية الأولى إيجاب هذه الأشياء التي لا ضرورة إليها ، وإهمال تلك الأمور المهمة ؟ وقد عرفت أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب وجود الأشرف قبله .
[ في المعجزة ]
فإن قلت : المعجزات التي هي خوارق للعادات الدالة على صدق الأنبياء ، كما تصدر عن الأنبياء تصدر عن السحرة والكهنة والمشعبذين ، فكيف تدلّ هذه الخوارق للعادات على صدق الأنبياء مع كون السحرة والكهنة والمشعبذين « 5 » مشاركين لهم في ذلك ؟ قلت : الفرق بين المعجزات الخارقة « 6 » للعادات الصادرة عن الأنبياء وبين خوارق العادات الصادرة عن غيرهم ، أنّ الخوارق الصادرة عن الأنبياء « 7 » أمور مقرونة بالتحدّي مع عدم المعارضة « 8 » .