[ كلام من ابن سينا ]
وأورد الشيخ الرئيس في الشفاء « 1 » شكّا ، فقال : إنّكم إذا جعلتم الموجود بما هو موجود موضوعا لهذا العلم فلا يجوز أن تثبتوا « 2 » مبادئ الموجودات فيه ، لكون البحث عن كل علم إنّما هو من العوارض العارضة لموضوع « 3 » ذلك العلم لا عن مباديه . ثم إنّه أجاب عنه بأنّ النظر في مبادئ الموجودات بحث عن عوارض هذا الموضوع ؛ فإنّ كون الموجود مبدأ غير مقوّم « 4 » الموجود ؛ بل هو عارض له خاص به ؛ ولا شيء أعمّ من الموجود ليكون لاحقا به لحوقا أوليا . ثم المبدأ ليس مبدأ لجميع الموجودات بأسرها ، وإلّا لزم أن يكون مبدأ لنفسه وهو محال . فالموجود كلّه لا مبدأ له ، بل المبدأ إنّما يكون لبعضها ، وهو الموجود المعلول . فهذا العلم لا يكون باحثا عن مبادئ الموجودات مطلقا بل عن بعضها ، كسائر العلوم الجزئية التي « 5 » لا يبرهن فيها على وجود مبادئها المشتركة ؛ بل إنّما يبرهن على وجود ما يكون مبدأ لما بعدها . ولذلك انقسم هذا العلم إلى ما يبحث عن الأسباب القصوى التي لكل موجود من جهة وجوده ؛ ويبحث عن السبب الأوّل الفائض عنه كل موجود معلول من حيث هو موجود معلول ، لا من حيث هو متحرك أو متكمم « 6 » ؛ وإلى ما يبحث عن العوارض العارضة للموجود « 7 » ؛ وإلى ما يبحث فيه عن مبادئ العلوم الجزئية . وكل « 8 » علم يكون أخص تكون مبادئه مسائل في العلم الأعم ، كمبادئ النجوم في العلم الرياضي ، والطبّ في العلم الطبيعي ، والمساحة في الهندسة .