ليس بالمكان لتتزّهه عنه بل بالصفات والمعاني ؛ فكلّما « 1 » كانت الصفات الإلهية الحاصلة للعبد أكثر كان القرب منه أكثر وأتمّ . والنفس إذا تكملت « 2 » بالعلوم الحقيقية وتطهّرت من الأخلاق الدنيّة وخففت العلاقة البدنية وداومت على الذكر في الخلوات لم تلبث زمانا إلّا والبارقات الإلهية تومض إليها والخطفات « 3 » الربانية تشرق عليها ؛ فإن دامت على هذا فسيأتيها بعد البرق حرق ثم طمس . وهذه الأشياء لا يهدي « 4 » إليها الفكر الصائب ، بل الذكر الدائم بالقلب ، وصرف الهمة إلى جناب القدس بالكلية ؛ فإذا دامت على هذه الحال انتقش فيها صورة الوجود كله ؛ فتصير كأنّها عقلا مجردا عن المادة ؛ فبعد خراب البدن تعرج بذاتها إلى الملأ الأعلى والمقام الأسنى ؛
« 5 » . والنفس الفاضلة الكاملة هي العارفة بالذات والصفات وحينئذ فيكفيها من العمل اليسير ؛ كما حكي أنّ داوود - عليه السلام « 6 » - قال لربّه : يا ربّ لا يحل « 7 » لمن عرفك أن يقطع رجاه منك ؛ فقال له : يا داوود إنّما يكفي أوليائي اليسير من العمل مثل « 8 » كفاية الملح للطعام .