البحث السادس في أنّ الوجود ينقسم إلى حادث وقديم
[ معنى الحادث والقديم ]
قال بعض المتأخرين : إنّه إذا قيل إنّ الحادث له أوّل « 1 » ، فيعنون به أنّ لزمان وجوده أوّل ؛ وإذا قيل إنّ الشيء الفلاني قديم ، فيعنون أنّه ليس لزمان وجوده أوّل ؛ وهو خطاء ؛ فإنّ من القديم ما ليس لوجوده زمان ، كالبارئ تعالى والعقول ؛ فإنّ القديم بالحقيقة ما ليس لوجوده زمان ؛ وأمّا القديم بحسب العرف فهو الذي تطول مدّته ؛ وهذا القديم بهذا المعنى حادث ولزمان وجوده أوّل « 2 » . والقديم « 3 » إذا أريد به ما يكون وجوده واجبا ، فالقديم واحد وما عداه من الممكنات حادث . وأمّا إذا عني بالحادث ما يكون العدم « 4 » سابقا عليه ، فالذي يقابله هو الدائم الوجود ؛ إلّا أنّ العقول والأفلاك ونفوسها وكليات العناصر ليست بحادثة بهذا المعنى ، لأنّ العدم الزماني لا يسبقها « 5 » .
[ كل حادث يسبقه إمكان وموضوع لذلك الإمكان ]
وكيف ما كان ، فإنّ « 6 » الشيء لا يخرج عن أن يكون قديما أو حادثا ؛ وكل « 7 » حادث لابدّ وأن يتقدّمه إمكان وموضوع لذلك الإمكان ؛ فإنّه لو كان واجبا لم يكن معدوما ولو كان ممتنعا لم يمكن وجوده ؛ فتعيّن أن يكون الحادث قبل وجوده ممكنا ؛ فإمكانه إمّا أن يكون نفس ذات الحادث ، أو أمرا مغايرا له . لا جائز أن يكون إمكانه نفس ذاته لوجوه « 8 » : الأوّل ، إنّ الإمكان يقع بمعنى واحد عليه وعلى كل ما خالف « 9 » ذاته ، ولو كان الإمكان نفس حقيقته لم يكن كذلك ؛ وإلّا لزم أن تكون حقيقته هو حقيقة غيره وذلك محال .