رجع إلى عقله وترك التعصب عرف بأدنى نظر أنّ حاجة الحالّ - وهو الصورة - إلى المحل أظهر وأوضح من حاجة المحل - وهو الهيولى - إلى الصورة ؛ لأنّ الحالّ لا يمكن أن يتصور مستغنيا عن المحل ؛ والمحل فيمكن « 1 » أن يتصور مستغنيا عن الحالّ . ثم هذه الصور « 2 » التي زعمتم أنّها جوهر غير قائم بذاته بل قيامها بمحلّها ، يبطل ببطلان المقدار الذي هو عرض عندكم ؛ وكيف يبطل الجوهر ببطلان العرض ! وليس العرض جزءا للجوهر من حيث هو جوهر ، ولا هو تمام ماهيته أيضا . وأمّا برهان [ امتناع ] « 3 » تجرد الهيولى عن الصورة ، فإنّه لا يدل على امتناع تجردها عنها مطلقا ؛ بل إنّما يدل على امتناع أن تكون الهيولى مجردة ثم يقارنها الصورة بعد ذلك ؛ فإنّه لو قال قائل : إنّه يجوز أن يتجرد البعض من الهيولى عن الصورة ويبقى كذلك دائما ، من غير أن يقارنها صورة أخرى ، لم يكن هذا البرهان دافعا لدعواه ؛ إلّا أن يضمّ إلى البرهان زيادة وهي أنّه إذا اقترن ببعض الهيوليات صورة جسمية ، ولم يقترن بذلك البعض الآخر شيء منها ، مع كون الطبيعة الهيولوية طبيعة واحدة مشتركة ، لزم أن يكون في الهيولى تكثّر وانقسام من غير انضمام صورة إليها وهو محال ؛ ومن هذا المجموع تحدس النفس امتناع تجرد الهيولى عن الصورة مطلقا . وقولهم « 4 » : لو تجردت الهيولى عن الصورة إن انقسمت ، فهي مقدار وفرضت مجردة ؛ وإن لم تنقسم فعدم الانقسام إن كان لذاتها وجب أن لا تقبل القسمة أصلا ؛ وفيه نظر ؛ فإنّه يمكن أن يكون عدم قبولها للقسمة ليس لذاتها بل لعدم شرط القسمة وهو المقدار لا غير ؛ كما يكون فرض الزوايا في السطح ممتنعا دون الخط ؛ ولا يمكنك أن تورد مثله في الصور النوعية ؛ كما تقول : لو تجرد الجسم عن الصور النوعية ، فإمّا أن يكون قابلا للانقسام والتشكل
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 85
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٨٥
هامش
( 1 ) . ن : يمكن ؛ م : ممكن .
( 2 ) . ب : الصورة .
( 3 ) . نسخهها : - امتناع .
( 4 ) . حكمة الإشراق ، ص 81 .