وإمّا أن تكون المحاكاة الشعرية بالاستدلال ، كما يدلّ بالشبيه على الشبيه « 1 » ؛ فهذا الاستدلال : إمّا أن يكون بالمحاكاة المطابقة : أو يكون بالمحاكاة الغير المطابقة : إمّا بإبهامات ممكنة وإمّا بالمحال ؛ وإمّا بالتذكير ، كمحاكاة الربع للحبيب « 2 » ؛ وإمّا بمشابهة ، كمحاكاة الشراب للماء . وأمّا رداءة محاكاة الشاعر فتكون بغلط القائس « 3 » بتحريف أو بكذب يمكن وقوعه أو بمحال لا يمكن أو بتقصير ما في الجملة . وأعداد المواضع والأنواع لا يمكن في المخيّلات ، كما أمكن أعدادها في الجدل والخطابة ؛ فإنّ المخيّلات كلّما كانت أندر وأغرب كانت ألذّ وأعجب . واعلم أنّك إذا اعتبرت القياس الشعري من حيث أصل الوزن ، فهذا هو « الموسيقي » ؛ وإن اعتبرته بالأوزان المعتبرة عند العرب ، فهو « العروض » ؛ وإن اعتبرته من حيث كونه مؤلّفا من مقدمات تفيد تخييلا يقوم مقام التصديق - وإن لم يكن تصديقا - فهو « المنطق » . وليس من شرط المقدمات الشعرية أن تكون صادقة أو كاذبة أو ذائعة أو شنعة ، بل أن تكون مخيّلة ؛ وأكثرها محاكيات الأشياء بأشياء « 4 » توجب تخييلا ، كمحاكاة « الشجاع » ب « الأسد » ، و « الوجه الصبيح » ب « البدر » . ولا يجب أن تكون المخيلات كلها « 5 » محاكيات ؛ فكثير منها قد يخلو من المحاكيات ، وإن كان المقصود الأصلي منها هو التخييل ؛ فإنّ الأقاويل الحكمية الموجبة للتصديق اليقيني والجزافات التي لا توجب التصديق عند العقلاء ، إذا أوردت موزونة مقفاة سمّيت « شعرا » عند العرب ؛ مع خلوّها عن التخيّل والمحاكاة ؛ ولو كان فيها التخيل والمحاكاة دون الأوزان والقوافي لم تسمّ « شعرا » عند العرب .
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 445
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٤٥
هامش
( 1 ) . ت : بالمشبه على الشبه .
( 2 ) . ت : للحسب .
( 3 ) . ت : الناس .
( 4 ) . ت : بالأشياء .
( 5 ) . ت : كليا .