فلما كان بين المقصودين فرق ظاهر ، وبين الفريقين بون بعيد ، وبين المبحوث « 49 » عنهما خلاف ، فقد صحّ ان هذين الرأيين ، من الحكيمين ، متفقان لا خلاف « 50 » بينهما ؛ إذا الاختلاف انما يكون حاصلا ان حكما على الجواهر من جهة واحدة وبالإضافة إلى مقصود واحد بحكمين مختلفين . فلما لم يكن ذلك كذلك ، فقد اتضح ان رأييهما يجتمعان على حكم واحد في تقديم الجواهر وتفضيلها .
سادسا - طريقة القسمة عند أفلاطون وعند أرسطو
ومن ذلك ، ما يظن بهما في امر القسمة والتركيب في توفية الحدود . ان أفلاطون « 51 » يرى أن توفية الحدود انما يكون بطريق القسمة ، وارسطوطاليس يرى أن توفية الحدود انما يكون بطريق البرهان والتركيب . وينبغي ان تعلم أن مثل ذلك مثل الدرج الذي يدرج عليه ، وينزل منه « 52 » : فان المسافة واحدة وبين السالكين « 53 » خلاف . وذلك ان ارسطوطاليس ، لما رأى أن أقرب الطرق وأوثقها في توفية الحدود ، هو بطلب ما يخص الشيء وما « 54 » يعمه ، مما هي ذاتية له وجوهرية ، وسائر ما ذكره في « الحرف » الذي يتكلم فيه على توفية الحدود ، من كتبه فيما « بعد الطبيعة » ، وكذلك في كتاب « البرهان » ، وفي كتاب « 55 » « الجدل » ، وفي غير ذلك من المواضع ، مما يطول ذكره ؛ وأكثر كلامه لم يخل من قسمة ما ، وان كان غير مصرح بها ، فإنه حين يفرق بين العاميّ والخاصّ ، وبين الذاتي وغير الذاتي ، فهو سالك ، بطبيعته وذهنه وفكره ، طريق القسمة ، وانما يصرح ببعض أطرافها . ولا جل ذلك لم يطرح « 56 » طريق القسمة رأسا ، لكنه « 57 » يعدّه من التعاون على اقتضاء اجزاء المحدود . والدليل على ذلك ، قوله ، في كتاب « القياس » ، في آخر المقالة الأولى : « فاما القسمة التي تكون بالأجناس « 58 » جزء صغير من هذا المأخذ ، فإنه سهل ان يعرف » ، وسائر ما يتلوه . وهو لم يعد المعاني التي يرى أفلاطون استعمالها ، حين يقصد إلى اعمّ ما يجده مما يشتمل على الشيء المقصود تحديده ،