أمّا الآفات المباشرة فقد ذكرها الإمام الغزاليّ بقوله : العجب يدعو إلى نسيان الذّنوب وإهمالها ، ويستعظم صاحبه العبادات والأعمال ويتبجّح بها ، ويمنّ على اللّه بفعلها ثمّ إذا أعجب بها نسي آفاتها ، ومن لم يتفقّد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعا ، والمعجب يغترّ بنفسه وبرأيه ، ويأمن مكر اللّه وعذابه ، ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكّيها ، ويمنعه ذلك من الاستشارة والسّؤال فيستبدّ بنفسه ويكتفي برأيه ، وربّما أعجب بالرّأي الخطأ الّذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره ، ويصرّ عليه ، وربّما أودى به ذلك إلى الهلاك خاصّة لو كان هذا الرّأي يتعلّق بأمر من أمور الدّين ، ولذلك عدّ العجب من المهلكات ، ومن أعظم آفات العجب فتور سعي المعجب لظنّه أنّه قد فاز ، وأنّه قد استغنى وهذا هو الهلاك الصّريح الّذي لا شبهة فيه « 1 » .
وقال في غذاء الألباب : وربّما منع المعجب عجبه من الازدياد في ( الطّاعات ) ولهذا قيل : عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله ، وما أضرّ العجب بالمحاسن « 2 » .
منشأ العجب وعلاجه :
قال الغزاليّ : علّة العجب الجهل المحض « 3 » ، ومن أعجب بطاعته ( مثلا ) فما علم أنّها بالتّوفيق حصلت ، فإن قال : رآني أهلا لها فوفّقني ، قيل له :
فتلك نعمة من منّه وفضله فلا تقابل بالإعجاب « 4 » .
وقال الغزاليّ : وعلاجه المعرفة المضادّة لذلك الجهل ، أي معرفة أنّ ذلك الّذي أثار إعجابه نعمة من اللّه عليه ، من غير حقّ سبق له ، ومن غير وسيلة يدلي بها ، ومن ثمّ ينبغي أن يكون إعجابه بجود اللّه وكرمه وفضله « 5 » . وإذا تمّ علم الإنسان لم ير لنفسه عملا ولم يعجب به لأنّ اللّه هو الّذي وفّقه إليه . وإذا قيس بالنّعم لم يف بمعشار عشرها ، هذا إذا سلم من شائبة وسلم من غفلة ، فأمّا والغفلات تحيط به ، فينبغي أن يغلّب الحذر من ردّه ويخاف العقاب على التّقصير فيه « 6 » .
هذا في علاج العجب إجمالا ، أمّا علاج حالاته تفصيلا فإنّ ذلك يختلف باختلاف ما يحدث به العجب :
فإن كان ناشئا عن حالة البدن وما يتمتّع به صاحبه من الجمال والقوّة ونحوهما ، فعلاجه التّفكّر في أقذار باطنه ، وفي أوّل أمره وآخره ، وفي الوجوه الجميلة والأبدان النّاعمة ، كيف تمرّغت في التّراب وأنتنت في القبور حتّى استقذرتها الطّباع .
وإن كان العجب ناشئا عن البطش والقوّة ، فعلاج ذلك أنّ حمّى يوم تضعف قوّته ، وأنّها ربّما سلبت
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين 3 / 370 .
( 2 ) غذاء الألباب ، شرح منظومة الآداب للسفاريني الحنبلي 2 / 225 .
( 3 ) إحياء علوم الدين 3 / 371 .
( 4 ) غذاء الألباب 2 / 225 .
( 5 ) إحياء علوم الدين 3 / 271 ( بتصرف واختصار ) .
( 6 ) غذاء الألباب 2 / 226 ( بتصرف واختصار ) .