تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 4433

مساهمون:

ص٤٤٣٣

الحقد داء دفين يفتك بالأفراد والمجتمعات :

قال بعض العلماء : ليس أروح للمرء ، ولا أطرد لهمومه ، ولا أقرّ لعينه من أن يعيش سليم القلب ، مبرّأ من وساوس الضغينة ، وثوران الأحقاد ، إذا رأى نعمة تنساق لأحد رضي بها ، وأحسّ فضل اللّه فيها ، وفقر عباده إليها ، وإذا رأى أذى يلحق أحدا من خلق اللّه رثى له ، ورجا اللّه أن يفرّج كربه ويغفر ذنبه ، وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة ، راضيا عن اللّه وعن الحياة ، مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى ، ذلك أنّ فساد القلب بالضّغائن داء عضال ، وما أسرع أن يتسرّب الإيمان من القلب المغشوش ، كما يتسرّب السائل من الإناء المثلوم . إنّ الشيطان ربّما عجز أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم ، ولكنّه - وهو الحريص على إغواء الإنسان وإيراده المهالك لن يعجز عن المباعدة بينه وبين ربّه ، حتّى يجهل حقوقه أشدّ ممّا يجهلها الوثنيّ المخرّف ، وهو يحتال لذلك بإيقاد نار العداوة في القلوب ، فإذا اشتعلت استمتع الشيطان برؤيتها وهي تحرق حاضر الناس ومستقبلهم ، وتلتهم علائقهم وفضائلهم ، ذلك أنّ الشرّ إذا تمكّن من الأفئدة ( الحاقدة ) تنافر ودّها وارتدّ الناس إلى حال من القسوة والعناد ، يقطعون فيها ما أمر اللّه به أن يوصل ، ويفسدون في الأرض . إنّ الحقد هو المصدر الدفين لكثير من الرذائل الّتي رهّب منها الإسلام ، فالافتراء على الأبرياء جريمة يدفع إليها الكره الشديد ( الحقد ) ، وقد عدّها الإسلام من أقبح الزور ، أمّا الغيبة فهي متنفّس حقد مكظوم ، وصدر فقير إلى الرحمة والصفاء ، ومن لوازم الحقد سوء الظنّ وتتبّع العورات ، واللمز ، وتعيير الناس بعاهاتهم ، أو خصائصهم البدنيّة أو النفسيّة ، وقد كره الإسلام ذلك كلّه كراهية شديدة . إنّ جمهور الحاقدين تغلي مراجل الحقد في أنفسهم ، لأنّهم ينظرون إلى الدنيا فيجدون ما تمنّوه لأنفسهم قد فاتهم ، وامتلأت به أكفّ أخرى ، وهذه هي الطامّة الّتي لا تدع لهم قرارا ، وهم بذلك يكونون خلفاء إبليس - الّذي رأى أنّ الحظوة الّتي كان يتشهّاها قد ذهبت إلى آدم - فآلى ألّا يترك أحدا يستمتع بها بعدما حرمها ، وهذا الغليان الشيطانيّ هو الّذي يضطرم في نفوس الحاقدين ويفسد قلوبهم ، فيصبحون واهني العزم ، كليلي اليد ، وكان الأجدر بهم أن يتحوّلوا إلى ربّهم يسألونه من فضله ، وأن يجتهدوا حتّى ينالوا ما ناله غيرهم ، إذ خزائنه سبحانه ليست حكرا على أحد ، والتطلّع إلى فضل اللّه عزّ وجلّ مع الأخذ بالأسباب هي العمل الوحيد المشروع عندما يرى أحد فضل اللّه ينزل بشخص معيّن ، وشتّان ما بين الحسد والغبطة أو بين الطموح والحقد « 1 » . [ للاستزادة : انظر صفات : الحسد - الخبث - الغل - اتباع الهوى - نكران الجميل - الأذى - السخط - الطمع - الغش - الغضب . وفي ضد ذلك : انظر صفات : الرضا - القناعة - المحبة - الاعتراف بالفضل - الشكر ] .
هامش
( 1 ) باختصار وتصرف عن « خلق المسلم » للشيخ محمد الغزالي ص 90 - 102 .