إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى * إلى كلّ ما فيه عليك مقال
قال ابن المعتزّ - رحمه اللّه تعالى - : لم يقل هشام ابن عبد الملك سوى هذا البيت » ) * « 1 » .
19 - * ( عن عمر بن عبد العزيز - رحمه اللّه تعالى - : أنّه كان يكتب في كتبه : إنّي أحذّركم ما مالت إليه الأهواء والزّيغ البعيدة » ) * « 2 » .
20 - * ( عن أبي الصّلت ، قال : كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر ، فكتب : أمّا بعد ؛ أوصيك بتقوى اللّه ، والاقتصاد « 3 » في أمره ، واتّباع سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنّته ، وكفوا مؤنته « 4 » ، فعليك بلزوم السّنّة فإنّها لك - بإذن اللّه - عصمة ، ثمّ اعلم أنّه لم يبتدع النّاس بدعة ، إلّا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها ، أو عبرة فيها ؛ فإنّ السّنّة إنّما سنّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ ، والزّلل ، والحمق ، والتّعمّق ، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم ، فإنّهم على علم وقفوا ، وببصر نافذ كفوا ، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى ، وبفضل ما كانوا فيه أولى ، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه . ولئن قلتم :
إنّما حدث بعدهم ما أحدثه إلّا من اتّبع غير سبيلهم ، ورغب بنفسه عنهم ؛ فإنّهم هم السّابقون ، فقد تكلّموا فيه بما يكفي ، ووصفوا منه ما يشفي ، فما دونهم من مقصر ، وما فوقهم من محسر ، وقد قصّر قوم دونهم فجفوا ، وطمح عنهم أقوام فغلوا ، وإنّهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم .
كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير - بإذن اللّه - وقعت ، ما أعلم ما أحدث النّاس من محدثة ، ولا ابتدعوا من بدعة ، هي أبين أثرا ، ولا أثبت أمرا ، من الإقرار بالقدر ، لقد كان ذكره في الجاهليّة الجهلاء ، يتكلّمون به في كلامهم ، وفي شعرهم ، يعزّون به أنفسهم على ما فاتهم ، ثمّ لم يزده الإسلام بعد إلّا شدّة ، ولقد ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غير حديث ولا حديثين ، وقد سمعه منه المسلمون ، فتكلّموا به في حياته وبعد وفاته ، يقينا وتسليما لربّهم ، وتضعيفا لأنفسهم ، أن يكون شيء لم يحط به علمه ، ولم يحصه كتابه ، ولم يمض فيه قدره ، وإنّه مع ذلك لفي محكم كتابه : منه اقتبسوه ، ومنه تعلّموه .
ولئن قلتم : لم أنزل اللّه آية كذا ؟ ولم قال : كذا ؟ .
لقد قرأوا منه ما قرأتم ، وعلموا من تأويله ما جهلتم ، وقالوا بعد ذلك : كلّه بكتاب وقدر ، وكتبت الشّقاوة ، وما يقدّر يكن ، وما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ولا نملك لأنفسنا ضرّا ولا نفعا ، ثمّ رغبوا بعد ذلك ورهبوا » ) * « 5 » .
هامش
( 1 ) أدب الدنيا والدين ( 39 ) .
( 2 ) الاعتصام ( 1 / 65 ) ط . دار الكتب العلمية .
( 3 ) الاقتصاد في أمر اللّه : الاعتدال فيه فيقف حيث وقف به الشرع من كتاب وسنة .
( 4 ) كفوا مؤنته : لم يكلف بالبحث فيه وما يترتب عليه من عناء ومشقة .
( 5 ) أبو داود ( 4 / 202 - 203 ) رقم ( 4612 ) .