تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 3109

مساهمون:

ص٣١٠٩
وهذه المجاهدة هي الّتي أطلق عليها الشّيخ دراز مصطلح « جهد المدافعة » ويراد بها : تلك العمليّة الّتي نضع فيها في مواجهة الميول الخبيثة الّتي تحثّنا على الشّرّ قوّة مقاومة قادرة على دفع تأثيرها « 1 » . أمّا ابن مسكويه فإنّه يعرّف الإنسان الفاضل بأنّه : الإنسان الخيّر صاحب الإحسان الذّاتيّ الّذي يبقى ولا ينقطع ويتزايد على الأيّام ولا ينتقص « 2 » ، ومن كانت هذه سيرته فإنّه يسرّ نفسه ، ويسرّ به غيره ، ويختار كلّ إنسان مواصلته ومصادقته ، فهو صديق نفسه ، والنّاس أصدقاؤه ، وليس يضادّه إلّا الشّرّير « 3 » ، ومن النّاس من يصطنع المعروف لأجل الخير نفسه ، ومنهم من يصطنعه لأجل الذّكر الجميل ، ومنهم من يصطنعه رياء فقط ، وأعلى هؤلاء مرتبة من صنع الخير لذاته ، وصاحب هذه الرّتبة لا يعرف الذّكر الجميل والثّناء الباقي . ومن سار بهذه السّيرة واختارها لنفسه فقد أحسن إليها وأنزلها في الشّرف الأعلى وأهّلها لقبول الفيض الإلهيّ ، وإذا كان بهذه الحال فهو لا محالة يفعل سائر الخيرات ، وينفع غيره ببذل الأموال والسّماحة بجميع ما يتشاح النّاس عليه « 4 » . إنّ الّذي أشار إليه ابن مسكويه هنا من صفة الإنسان الفاضل قد عبّر عنه الشّيخ دراز بأنّه : « الجهد المبدع » وذكر أنّ لهذا الجهد ثلاث درجات : الأولى : الاختيار الإراديّ المتمثّل في البحث الجادّ عن الحلّ الّذي يجب أن نأخذ أنفسنا به ولا نكل أمر تحديد إرادتنا إلى تصاريف الطّبيعة الخارجيّة ولا إلى حركات فطرتنا الدّاخليّة ، وإنّما نسمو فوق جميع الاعتبارات الظّاهرة والباطنة ، ويعقب هذا البحث الجادّ إرادة واختيار لهذا الحلّ ، وكلّ ما هو دون ذلك فعجز وخور . الثّانية : وتتمثّل في اختيار الصّالح ، ولا بدّ هنا من استلهام روح الشّرع والتّطابق مع قواعده ، وقد يحدث في الواقع أن يكون أحد الحلول كافيا ليوصف بأنّه صالح ، وأن يكون هناك حلّ آخر أقلّ من أن يستحقّ هذا الوصف ، مثال ذلك « الصّدقة » فهذه المساعدة الماليّة الّتي يريد المتصدّقون أن يقدّموها للفقراء قد تختلف على ما لا يحصى من الدّرجات تبعا لكرمهم ابتداء من الفلس « 5 » وانتهاء بهبة الثّروة كلّها ، ولكنّ الشّرع الأخلاقيّ في الإسلام لم يدع الأمور فوضى ، فالحدّ الأدنى هو الزّكاة المفروضة والحدّ الأقصى هو ثلث الثّروة الكلّيّة ، وواجب المسلم ( الفاضل ) أن يتحاشى الطّرفين المحرّمين ، فلا يقلّ عن مقدار الزّكاة ولا يزيد عن الثّلث وهو الحدّ الأقصى المباح . الثّالثة : تتمثّل هذه المرحلة الثّالثة من الجهد
هامش
( 1 ) دستور الأخلاق في القرآن الكريم ص 594 . ( 2 ) وهذا بخلاف الإحسان العارض الذي ليس بخلقيّ ولا هو سيرة لصاحبه فإنه ينقطع ويقع فيه اللّوم . انظر : تهذيب الأخلاق لابن مسكويه ص 126 . ( 3 ) أطلق الجاحظ على « الإنسان الفاضل » عند كل من الماوردي وابن مسكويه اسم « الإنسان التام » وعرّفه بأنّه : هو الذي لم تفته فضيلة ولم تشنه رذيلة ، انظر : تهذيب الأخلاق للجاحظ ص 49 . ( 4 ) باختصار وتصرف عن تهذيب الأخلاق لابن مسكويه ص 12 - 28 . ( 5 ) الفلس عملة ذات قيمة متدنية وجمعها فلوس .