وحسن حديثك ، وإقبالك على جليسك ، فقال : إن تعش قليلا فسترى العيون طامحة إليّ والأعناق نحوي متطاولة ، فإذا صار الأمر إليّ فلعلّك أن تنقل إليّ ركابك ، فلأملأنّ يديك . فلمّا أفضت إليه الخلافة توجّهت إليه فوافيته يوم الجمعة وهو يخطب على المنبر ، فلمّا رآني أعرض عنّي فقلت : لعلّه لم يعرفني ، أو عرفني وأظهر لي نكرة ، فلمّا قضيت الصّلاة ودخل بيته لم ألبث أن خرج الحاجب ، فقال : أين مالك بن عمارة . فقمت فأخذ بيدي وأدخلني عليه فمدّ إليّ يده وقال : إنّك تراءيت لي في موضع لا يجوز فيه إلّا ما رأيت ، فأمّا الان فمرحبا ، وأهلا ، كيف كنت بعدي ، فأخبرته ، فقال لي : أتذكر ما كنت قلت لك ؟ قلت : نعم ، فقال :
واللّه ما هو بميراث وعيناه ، ولا أثر رويناه ، ولكنّي أخبرك بخصال منّي سمت بها نفسي إلى الموضع الّذي ترى . ما خنت ذا ودّ قطّ ، ولا شمتّ بمصيبة عدوّ قطّ ، ولا أعرضت عن محدّث حتّى ينتهي حديثه ، ولا قصدت كبيرة من محارم اللّه تعالى متلذّذا بها . فكنت أؤمّل بهذه أن يرفع اللّه تعالى منزلتي ، وقد فعل ثمّ دعا بغلام له ، فقال : يا غلام بوّئه منزلا في الدّار ، فأخذ الغلام بيدي ، وأفرد لي منزلا حسنا ، فكنت في ألذّ حال وأنعم بال ، وكان يسمع كلامي ، وأسمع كلامه ، ثمّ أدخل عليه في وقت عشائه وغدائه فيرفع منزلتي ، ويقبل عليّ ويحادثني ويسألني مرّة عن العراق ، ومرّة عن الحجاز ، حتّى مضت عشرون ليلة ، فتغدّيت يوما عنده ، فلمّا تفرّق النّاس نهضت قائما ، فقال : على رسلك ، فقعدت ، فقال : أيّ الأمرين أحبّ إليك :
المقام عندي مع النّصفة لك في المعاشرة ، أو الرّجوع إلى أهلك ولك الكرامة ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين فارقت أهلي وولدي على أنّي أزور أمير المؤمنين ، وأعود إليهم فإن أمرني أمير المؤمنين اخترت رؤيته على الأهل والولد ، فقال : لا بل أرى لك الرّجوع إليهم ، والخيار لك بعد في زيارتنا ، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار كسوة ، وحملناك ، أتراني قد ملأت يديك ؟ فلا خير فيمن ينسى إذا وعد وعدا ، وزرنا إذا شئت ، صحبتك السّلامة ) * « 1 » .
15 - * ( قال ابن الجوزيّ : تأمّلت أحوال النّاس في حالة علوّ شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين حسراتهم حينئذ ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشّباب ، ومنهم من فرّط في اكتساب العلم ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللّذات .
فكلّهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت ، أو قوى ضعفت ، أو فضيلة فاتت ، فيمضي زمان الكبر في حسرات ، فإن كانت للشّيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت ، قال :
وا أسفاه على ما جنيت ؟ وإن لم يكن له إفاقة صار متأسّفا على فوات ما كان يلتذّ به .
هامش
( 1 ) المستطرف ( 1 / 203 - 204 ) .