ولو أنّي سمحت ببذل وجهي * لكنت إلى الغنى سهل الطّريق
وهو الّذي يقول :
خلقان لا أرضى طريقهما * بطر الغنى ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرا * وإذا افتقرت فته على الدّهر
) * « 1 »
13 - * ( حكى القاضي يحيى بن أكثم - رحمة اللّه عليه - قال : دخلت يوما على الخليفة هارون الرّشيد ولد المهديّ ، وهو مطرق مفكّر ، فقال لي :
أتعرف قائل هذا البيت :
الخير أبقى وإن طال الزّمان به * والشّرّ أخبث ما أوعيت من زاد
فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ لهذا البيت شأنا مع قائله ، فقال الرّشيد : عليّ به . فلمّا حضر بين يديه ، قال له : أخبرني عن قضيّة هذا البيت . فقال : يا أمير المؤمنين كنت في بعض السّنين حاجّا ، فلمّا توسّطت البادية في يوم شديد الحرّ سمعت ضجّة عظيمة في القافلة ألحقت أوّلها باخرها ، فسألت عن القصّة فقال لي رجل من القوم : تقدّم تر ما بالنّاس ، فتقدّمت إلى القافلة فإذا أنا بشجاع أسود فاغر فاه كالجذع ، وهو يخور كما يخور الثّور ، ويرغو كرغاء البعير ، فهالني أمره ، وبقيت لا أهتدي إلى ما أصنع في أمره ، فعدلنا عن طريقه إلى ناحية أخرى فعارضنا ثانيا ، فعلمت أنّه لسبب ، ولم يجسر أحد من القوم أن يقربه ، فقلت :
أفدي هذا العالم بنفسي ، وأتقرّب إلى اللّه تعالى بخلاص هذه القافلة من هذا ، فأخذت قربة من الماء فتقلّدتها ، وسللت سيفي ، وتقدّمت فلمّا رآني قربت منه سكن ، وبقيت متوقّعا منه وثبة يبتلعني فيها ، فلمّا رأى القربة فتح فاه ، فجعلت فم القربة فيه وصببت الماء كما يصبّ في الإناء ، فلمّا فرغت القربة تسيّب في الرّمل ومضى ، فتعجّبت من تعرّضه لنا وانصرافه عنّا من غير سوء لحقنا منه ، ومضينا لحجّنا ، ثمّ عدنا في طريقنا ذلك ، وحططنا في منزلنا ذلك في ليلة مظلمة مدلهمّة فأخذت شيئا من الماء ، وعدلت إلى ناحية عن الطّريق فقضيت حاجتي ثمّ توضّأت وصلّيت وجلست أذكر اللّه تعالى ) * « 2 » .
14 - * ( قال مالك بن عمارة اللّخميّ : كنت جالسا في ظلّ الكعبة أيّام الموسم عند عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب ، وعروة بن الزّبير ، وكنّا نخوض في الفقه مرّة ، وفي المذاكرة مرّة ، وفي أشعار العرب وأمثال النّاس مرّة ، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتّساع في المعرفة ، والتّصرّف في فنون العلم ، وحسن استماعه إذا حدّث ، وحلاوة لفظه إذا حدّث ، فخلوت معه ليلة فقلت له ، واللّه إنّي لمسرور بك لما شاهدته من كثرة تصرّفك
هامش
( 1 ) انظر صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل لأبي غدة .
( 2 ) المستطرف ( 1 / 345 - 346 ) .