تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 2985

مساهمون:

ص٢٩٨٥
أبو أيّوب الأنصاريّ من المدينة إلى عقبة بن عامر ، وهو في مصر ليروي عنه حديثا ، فقدم مصر ونزل عن راحلته ولم يحلّ راحلته ، فسمع منه الحديث وركب راحلته وقفل إلى المدينة راجعا ، ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب أو الأندلس إلّا برجال رحلوا إلى الشّرق ولاقوا في رحلاتهم عناء ونصبا ، مثل أسد بن الفرات ، وأبي الوليد الباجيّ ، وأبي بكر بن العربيّ . وخلاصة المقال : تذكير النّبهاء من نشئنا بأن يقبلوا على العلم بهمم كبيرة ، صيانة للوقت من أن ينفق في غير فائدة ، وعزم يبلى الجديدان « 1 » ، وهو صارم صقيل ، وحرص لا يشفي غليله إلّا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة ، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك ولا طول مسافة الطّريق ، وألسنة مهذّبة لا تقع في لغو أو مهاترة . إنّ عظيم الهمّة يستخفّ بالمرتبة السّفلى أو المرتبة المتوسّطة من معالي الأمور ، ولا تهدأ نفسه إلّا حين يضع نفسه في أسمى منزلة وأقصى غاية ، ويعبّر عن هذا المعنى النّابغة الجعديّ بقوله :
بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا * وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا
وإذا كان هذا الخلق لا يقع إلّا على معالي الأمور فلا عظمة لهمم قوم يبتغون النّهاية في زينة هذه الحياة ، ويغرقون في التّمتّع بلذّاتها المادّيّة . ومن الخطل في الرّأي أن ينزع الرّجل إلى خصلة شريفة ، حتّى إذا شعر بالعجز عن بلوغ غايتها البعيدة انصرف عنها جملة ، والتحق بالطّائفة الّتي ليس لها في هذه الخصلة من نصيب ، والّذي يوافق الحكمة ويقتضيه حقّ التّعاون في سعادة الجماعة أن يذهب الرّجل في همّه « 2 » إلى الغايات البعيدة ثمّ يسعى لها سعيها ، ولا يقف دون النّهاية إلّا حيث ينفد جهده ، ولا يهتدي للمزيد على ما فعل سبيلا .

والناس في الحقيقة أصناف :

رجل يشعر بأنّ فيه الكفاية لعظائم الأمور ، ويجعل هذه العظائم همّته ، وهذا من يسمّى ( عظيم الهمّة ) أو ( عظيم النّفس ) ، ورجل فيه الكفاية لعظائم الأمور ولكنّه يبخس نفسه ، فيضع همّه في سفساف الأمور وصغائرها ، وهذا من يسمّى ( صغير الهمّة ) أو ( صغير النّفس ) ، ورجل لا يكفي لعظائم الأمور ، ويحسّ بأنّه لا يستطيعها وأنّه لم يخلق لأمثالها فيجعل همّته وسعيه على قدر استعداده ، وهذا الرّجل بصير بنفسه متواضع في سيرته . هؤلاء ثلاثة ، ورابعهم لا يكفى للعظائم ولكنّه يتظاهر بأنّه قويّ عليها مخلوق لأن يحمل أثقالها ، وهذا من يسمّونه ( فخورا ) ، وإن شئت فسمّه ( متعظّما ) .
هامش
( 1 ) الجديدان : هما الليل والنهار . ( 2 ) المراد هنا : الهمّة .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 2985 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح