تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 2731

مساهمون:

ص٢٧٣١
الأزلام ، فاستقسمت بها : أضرّهم أم لا ؟ فخرج الّذي أكره ، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرّب بي ، حتّى إذا سمعت قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات ، ساخت « 1 » يدا فرسي في الأرض حتّى بلغتا الرّكبتين ، فخررت عنها ، ثمّ زجرتها ، فنهضت فلم تكد تخرج يديها ، فلمّا استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان « 2 » ساطع في السّماء مثل الدّخان ، فاستقسمت بالأزلام « 3 » فخرج الّذي أكره فناديتهم بالأمان ، فوقفوا ، فركبت فرسي حتّى جئتهم . ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقلت له : إنّ قومك قد جعلوا فيك الدّية . وأخبرتهم أخبار ما يريد النّاس بهم ، وعرضت عليهم الزّاد والمتاع ، فلم يرزآني « 4 » ، ولم يسألاني إلّا أن قال : أخف عنّا . فسألته أن يكتب لي كتاب أمن ، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم ، ثمّ مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزّبير أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لقي الزّبير في ركب من المسلمين كانوا تجّارا قافلين من الشّام ، فكسا الزّبير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبا بكر ثياب بياض . وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة ، فكانوا يغدون كلّ غداة إلى الحرّة فينتظرونه ، حتّى يردّهم حرّ الظّهيرة ، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم ، فلمّا أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود « 5 » على أطم « 6 » من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه مبيّضين يزول بهم السّراب « 7 » ، فلم يملك اليّهوديّ أن قال بأعلى صوته : يا معاشر العرب ، هذا جدّكم « 8 » الّذي تنتظرون ، فثار المسلمون إلى السّلاح ، فتلقّوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بظهر الحرّة ، فعدل بهم ذات اليمين حتّى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل ، فقام أبو بكر للنّاس ، وجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صامتا ، فطفق من جاء من الأنصار ممّن لم ير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحيّي أبا بكر حتّى أصابت الشّمس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأقبل أبو بكر حتّى ظلّل عليه بردائه ، فعرف النّاس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذلك فلبث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسّس المسجد الّذي أسّس على التّقوى ، وصلّى فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثمّ ركب راحلته ، فسار يمشي معه النّاس ، حتّى بركت عند مسجد الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة ، وهو يصلّي فيه يومئذ رجال من المسلمين ، وكان مربدا « 9 » للتّمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر سعد بن زرارة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين بركت به راحلته : « هذا إن شاء اللّه
هامش
( 1 ) ساخت : أي غاصت . ( 2 ) العثان : الغبار ، وقيل : الدخان . ( 3 ) الأزلام : هي الأقداح وهي السهام التي لا ريش لها ولا نصل . ( 4 ) لم يرزآني : أي لم ينقصاني مما معي شيئا . ( 5 ) أوفى رجل من يهود : أي طلع إلى مكان عال فأشرف منه . ( 6 ) ( أطم ) الأطم - بضمتين - : بناء مرتفع ، وجمعه آطام . ( 7 ) يزول بهم السراب : أي يزول السراب عن النظر بسبب عروضهم له . ( 8 ) جدّكم : بفتح الجيم : أي حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه . ( 9 ) المربد : هو الموضع الذي يجفف فيه التمر .