تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 2043

مساهمون:

ص٢٠٤٣
وبهذا يتّضح أنّ الفتوّة تشير إلى معان ذات قيمة أخلاقيّة عظمى ، حتّى وإن كانت في الأصل لا تشعر بمدح ولا ذمّ كما يقول الفيروز اباديّ « 1 » ، ثمّ انتقلت اللّفظة بعد ذلك للدّلالة على معنى « استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق » كما يقول ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - « 2 » ومعنى هذه العبارة أنّ الفتوّة هي التّطبيق العمليّ والتّنفيذ الفعليّ لما تقتضيه الأخلاق الحميدة الّتي لا بدّ أن يتحلّى بها من اتّصف بالفتوّة ، وقد عدّها - رحمه اللّه تعالى - من منازل
إِيَّاكَ نَعْبُدُ * وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
فقال : حقيقة هذه المنزلة هي الإحسان إلى النّاس وكفّ الأذى عنهم ، واحتمال أذاهم « وهي إذن نتيجة حسن الخلق واستعماله ( أي إخراجه إلى حيّز الوجود بعد أن كان هيئة راسخة في النّفس ) . وأقدم من تكلّم في الفتوّة جعفر الصّادق ثمّ الفضيل بن عياض ، والإمام أحمد بن حنبل ، وسهل بن عبد اللّه التّستريّ والجنيد ، ( ومن سار على نهجهم ) ، وقد سئل جعفر الصّادق عن الفتوّة فقال للسّائل : ما تقول أنت ؟ قال : إن أعطيت شكرت ، وإن منعت صبرت ، فقال ( جعفر ) : لكن المروءة عندنا : إن أعطينا آثرنا ، وإن منعنا شكرنا . وقال الفضيل : الفتوّة الصّفح عن عثرات الإخوان . وقال الإمام أحمد : الفتوّة : ترك ما تهوى لما تخشى . وقال الجنيد : الفتوّة ألّا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيّا . وقال المحاسبيّ : الفتوّة أن تنصف ولا تنتصف . وقال التّرمذيّ : الفتوّة أن تكون خصيما لربّك على نفسك ، وقيل : هي ألّا ترى لنفسك فضلا على غيرك « 3 » . وقد لخّص ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - هذه الأقوال عندما ذكر أنّ أصل الفتوّة عندهم هي أن يكون العبد أبدا في أمر ( خدمة ) غيره « 4 » . وهذا الخلق الرّفيع لا يتأتّى بكماله إلّا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - كما يقول الدّقّاق - فإنّ كلّ أحد يقول يوم القيامة : نفسي نفسي ، وهو يقول : أمّتي أمّتي « 5 » . وفيما يتعلّق بالفرق بين المروءة « 6 » والفتوّة فيتمثّل في أنّ بينهما عموما وخصوصا يقول ابن القيّم موضّحا لهذا الفرق : الفتوّة نوع من أنواع المروءة إذ المروءة استعمال ما يجمل ويزين ممّا هو مختصّ بالعبد ، أو متعدّ إلى غيره ، وترك ما يدنّس ويشين ممّا هو مختصّ أيضا به أو متعلّق بغيره ، أمّا الفتوّة فهي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق « 7 » ، أي إنّ المروءة تتعلّق بالنّفس وبالغير ، والفتوّة تتعلّق بالغير فقط إذ هي أن
هامش
( 1 ) بصائر ذوي التمييز 4 / 171 . ( 2 ) مدارج السالكين 2 / 353 . ( 3 ) انظر هذه الأقوال وغيرها في : مدارج السالكين 2 / 354 ، وبصائر ذوي التمييز 4 / 170 وما بعدها . ( 4 ) مدارج السالكين 2 / 355 . ( 5 ) مدارج السالكين 2 / 355 ، وبصائر ذوي التمييز 4 / 171 . ( 6 ) انظر صفة « المروءة » ووفقا لما ذكر ابن القيم فإن الإنسانية والمروءة يستويان في المعنى . ( 7 ) مدارج السالكين 2 / 353 .