تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 1867

مساهمون:

ص١٨٦٧
الخوف منه . . . والتّخوّف ظهور الخوف من الإنسان ، قال
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ
( النحل / 47 ) . والخيفة الحالة الّتي عليها الإنسان من الخوف ، قال تعالى :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
( طه / 6 ) ، والتّخويف من اللّه تعالى هو الحثّ على التّحرّز ، وعلى ذلك قوله - تعالى - :
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ
( الزمر / 16 ) والخوف من اللّه لا يراد به ما يخطر بالبال من الرّعب كاستشعار الخوف من الأسد ؛ بل إنّما يراد به الكفّ عن المعاصي واختيار الطّاعات ، ولذلك قيل : لا يعدّ خائفا من لم يكن للذّنوب تاركا « 1 » . ومن ذلك قول عمر - رضي اللّه عنه - : « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » « 2 » .

واصطلاحا :

عرّفه العلماء عدّة تعريفات تبعا لاختلاف نظرة كلّ منهم ، فيقول الرّاغب : الخوف : توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة . ويضادّه الأمن ، ويستعمل ذلك في الأمور الدّنيويّة والأخرويّة « 3 » . ويقول الجرجانيّ : الخوف توقّع حلول مكروه أو فوات محبوب « 4 » . وقيل : اضطراب القلب وحركته من تذكّر المخوف ، وقيل : فزع القلب من مكروه يناله أو من محبوب يفوته « 5 » .

منزلة الخوف :

قال ابن رجب الحنبليّ - رحمه اللّه - : إنّ اللّه خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه ، ونصب لهم الأدلّة الدّالّة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال ، ووصف لهم شدّة عذابه ودار عقابه الّتي أعدّها لمن عصاه ليتّقوه بصالح الأعمال ، ولهذا كرّر سبحانه وتعالى - في كتابه ذكر النّار وما أعدّه فيها لأعدائه من العذاب والنّكال ، وما احتوت عليه من الزّقّوم والضّريع والحميم والسّلاسل والأغلال ، إلى غير ذلك ممّا فيها من العظائم والأهوال ، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبّه ويرضاه ، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه ، فمن تأمّل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب ، وكذلك السّنّة الصّحيحة الّتي هي مفسّرة ومبيّنة لمعاني الكتاب ، وكذلك سير السّلف الصّالح أهل العلم والإيمان من الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان ، من تأمّلها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات ، وأنّ ذلك هو الّذي رقّاهم إلى تلك الأحوال الشّريفة والمقامات السّنيّات ، من شدّة الاجتهاد في الطّاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات فضلا عن المحرّمات « 6 » . وقال - رحمه اللّه - : القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم ، فإن زاد على ذلك ، بحيث صار باعثا للنّفوس على التّشمير في نوافل الطّاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتّبسّط في فضول المباحات ، كان ذلك فضلا محمودا ، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا ، أو همّا لازما ، بحيث يقطع عن السّعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة للّه - عزّ وجلّ - لم يكن محمودا « 7 » .
هامش
( 1 ) المفردات للراغب ( 161 ، 162 ) ببعض تصرف . ( 2 ) اللسان « خوف » ( 9 / 100 ) . ( 3 ) المفردات ( 161 ) . ( 4 ) التعريفات ( 101 ) . ( 5 ) دليل الفالحين لابن علان ( 2 / 285 ) . ( 6 ) التخويف من النار لابن رجب ( 6 ، 7 ) . ( 7 ) التخويف من النار لابن رجب ( 21 ) .