تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 1796

مساهمون:

ص١٧٩٦
والثّاني أن يحمل الأمر على بابه ، ويكون المعنى : إذا كنت في فعلك آمنا أن تستحيي منه لجريك فيه على سنن الصّواب ، وليس من الأفعال الّتي يستحيا منها ، فاصنع منها ما شئت « 1 » ، قال ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - : فالمعنى على الأوّل يكون تهديدا كما في قوله تعالى :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
( فصلت / 40 ) ، وعلى الثّاني إذنا وإباحة ، ولا يمكن حمل الحديث على المعنيين جميعا لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة ، واعتبار أحد المعنيين يوجب عدم اعتبار الآخر « 2 » . وأضاف الإمام العينيّ إلى هذين معنيين آخرين هما : 1 - معنى الوعيد ، أي افعل ما شئت تجاز به . 2 - أنّه على طريق المبالغة في الذّمّ ، أي تركك الحياء أعظم ممّا تفعله ، قال - رحمه اللّه تعالى - والحديث للتّنويه بشأن الحياء والحثّ عليه « 3 » ، وقال ابن سيده : معنى الحديث : أنّ من لم يستح صنع ما شاء على جهة الذّمّ لترك الحياء ، وليس يأمره بذلك وإنّما هو أمر بمعنى الخبر « 4 » . ويقال رجل حييّ أي ذو حياء ، ووزنه فعيل ، والأنثى بالهاء ، يقال : امرأة حييّة ، قال الأزهريّ : للعرب في هذا الحرف لغتان : استحى الرّجل يستحي ، بياء واحدة ، واستحيا يستحيي ، بياءين ، والقرآن نزل بهذه اللّغة الثّانية في قوله عزّ وجلّ
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
( البقرة / 26 ) . والثّلاثيّ منه قولهم : حييت منه أحيا ، وتقول في الجمع حيوا ، كما تقول خشوا ورضوا ، ذهبت الياء لالتقاء السّاكنين ، وفي حديث البراق ( ودنوت منه لأركبه فتحيّا منّي ) أي انقبض وانزوى ولا يخلو أن يكون مأخوذا من الحياء على سبيل التّمثيل ، لأنّ من شأن الحييّ أن ينقبض ، أو يكون أصله : تحوّى أي تجمّع فقلبت واوه ياء ، وأمّا قوله عزّ وجلّ
وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ
( القصص / 4 ) فمعناه : يستفعل من الحياة أي يتركهنّ أحياء ، وليس فيه إلّا لغة واحدة ( وهي إثبات الياءين ) وحيا النّاقة يقصر ويمدّ لغتان عن اللّيث ، وقال الأزهريّ حياء النّاقة والشّاة وغيرهما ممدود ، إلّا أن يقصره شاعر ضرورة ، وإنّما سمّي حياء من الاستحياء لأنّه يستر من الآدميّ ويكنّى عنه من الحيوان ، ويستفحش التّصريح باسمه « 5 » . وقال ابن القيّم : الحياء ( الّذي هو الاستحياء ) مشتق من الحياة ، ومن ذلك أيضا : الحيا للمطر ، لكنّه مقصور ، وعلى حسب حياة القلب ، يكون فيه قوّة خلق الحياء ، وقلّة الحياء من موت القلب والرّوح فكلّما كان القلب أحيا كان الحياء أتمّ « 6 » .

الحياء اصطلاحا :

تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به « 7 » .
هامش
( 1 ) النهاية ( 5 / 471 ) . ( 2 ) الدّاء والدّواء ( 132 ) . ( 3 ) نقلا عن فضل اللّه الصمد للجيلاني ( 2 / 54 ) . ( 4 ) نقلا عن لسان العرب ( 14 / 218 ) . ( 5 ) لسان العرب ( 14 / 217 - 219 ) ط . بيروت بتصرف واختصار . ( 6 ) مدارج السالكين ( 2 / 270 ) . ( 7 ) الفتح ( 1 / 52 ) .