الّذي غرّك من الدّنيا أين دارك الفيحاء ونهرك المطّرد ؟
وأين ثمارك الينيعة ؟ وأين رقاق ثيابك ؟ وأين طيبك وبخورك ، وأين كسوتك لصيفك وشتائك ؟ أما رأيته قد زلّ به الأمر ، فما يدفع عن نفسه دخلا وهو يرشح عرقا ، ويتلمّظ عطشا ، يتقلّب في سكرات الموت وغمراته ، جاء الأمر من السّماء ، وجاء غالب القدر والقضاء ، هيهات : يا مغمض الوالد والأخ والولد ، وغاسله ، يا مكفّن الميّت ويا مدخله في القبر ، وراجعا عنه ، ليت شعري بأيّ خدّيك بدأ البلى ، يا مجاور الهلكات صرت في محلّة الموت ، ليت شعري ما الّذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدّنيا وما يأتيني به من رسالة ربّي » . ثمّ انصرف فما عاش بعد ذلك إلّا جمعة ) * « 1 » .
7 - * ( عن أبي سريج الشّاميّ ؛ قال : قال عمر ابن عبد العزيز لرجل من جلسائه : « يا فلان ، قد أرقت اللّيل متفكّرا » قال : فيم يا أمير المؤمنين ؟ قال : « في القبر وساكنه ، لو رأيت الميّت بعد ثالثة في القبر لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته ، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوامّ ، ويجري فيه الصّديد وتخترقه الدّيدان مع تغيّر الرّائحة وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الرّائحة ونقاء الثّوب » قال : ثمّ شهق شهقة خرّ مغشيّا ) * « 2 » .
8 - * ( وقد روي عن عمر بن عبد العزيز من وجوه متعدّدة أنّه قال في آخر خطبة خطبها - رحمه اللّه عليه - : « ألا ترون أنّكم في أسلاب الهالكين ، ثمّ يرثها بعدكم الباقون كذلك حتّى يردّ إلى خير الوارثين ، وفي كلّ يوم تشيّعون غاديا ورائحا قد قضى نحبه فتودّعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير ممهّد ولا موسّد ، قد فارق الأحباب وخلع الأسباب وسكن التّراب ، وواجه الحساب ، غنيّا عمّا خلّف ، فقيرا إلى ما قدّم » .
وكان ينشد هذه الأبيات :
من كان حين تصيب الشّمس جبهته * أو الغبار يخاف الشّين والشّعثا
ويألف الظّلّ كي تبقى بشاشته * فكيف يسكن يوما راغما جدثا ؟
في ظلّ مقفرة غبراء مظلمة * يطيل تحت الثّرى في غمّه اللّبثا
تجهّزي بجهاز تبلغين به * يا نفس قبل الرّدى لم تخلقي عبثا ) *
« 3 » .
9 - * ( عن سليم بن عامر قال : خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهليّ فلمّا صلّى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة : إنّكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون فيه الحسنات والسّيّئات توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحشة وبيت الظّلمة وبيت الضّيق إلّا ما وسّع اللّه ثمّ تنتقلون منه إلى يوم القيامة ) * « 4 » .
10 - * ( روى البراء بإسناده عن الفضيل بن عياض قال : رأيت رجلا يبكي ، قلت : وما يبكيك ؟
هامش
( 1 ) أهوال القبور ( 151 - 152 ) .
( 2 ) المرجع السابق ( 150 ) .
( 3 ) المرجع السابق ( 152 ) .
( 4 ) المرجع السابق ( 127 ) .