تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 914

مساهمون:

ص٩١٤
9 - * ( قال الغزاليّ - رحمه اللّه - : « كثر الحثّ في كتاب اللّه تعالى على التّدبّر والاعتبار والنّظر والافتكار ، ولا يخفى أنّ الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم ، وأكثر النّاس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره » ) * « 1 » .

ثمار تدبر القرآن

قال ابن القيّم : أمّا التّأمّل في القرآن : فهو تحديق نظر القلب إلى معانيه . وجمع الفكر على تدبّره وتعقّله . وهو المقصود بإنزاله ، لا مجرّد تلاوته بلا فهم ولا تدبّر ، قال اللّه تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
( ص / 29 ) ، وقال تعالى
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( محمد / 24 ) وقال تعالى :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
( المؤمنون / 68 ) ، وقال تعالى :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
( الزخرف / 3 ) وقال الحسن : « نزل القرآن ليتدبّر ويعمل به . فاتّخذوا تلاوته عملا » . فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده ، وأقرب إلى نجاته من تدبّر القرآن ، وإطالة التّأمّل . وجمع الفكر على معاني آياته . فإنّها تطلع العبد على معالم الخير والشّرّ بحذافيرها ، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ، ومآل أهلهما ، وتتلّ في يده « 2 » مفاتيح كنوز السّعادة والعلوم النّافعة وتثبّت قواعد الإيمان في قلبه . وتشيّد بنيانه ، وتوطّد أركانه . وتريه صورة الدّنيا والآخرة ، والجنّة والنّار في قلبه . وتحضره بين الأمم وتريه أيّام اللّه فيهم . وتبصّره مواقع العبر ، وتشهده عدل اللّه وفضله . وتعرّفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله ، وما يحبّه وما يبغضه ، وصراطه الموصّل إليه ، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه ، وقواطع الطّريق وآفاتها . وتعرّفه النّفس وصفاتها ، ومفسدات الأعمال ومصحّحاتها وتعرّفه طريق أهل الجنّة وأهل النّار وأعمالهم ، وأحوالهم وسيماهم . ومراتب أهل السّعادة وأهل الشّقاوة ، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه . وافتراقهم فيما يفترقون فيه . وبالجملة تعرّفه الرّبّ المدعوّ إليه ، وطريق الوصول إليه ، وما له من الكرامة إذا قدم عليه . وتعرّفه مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما يدعو إليه الشّيطان ، والطّريق الموصّلة إليه ، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه . فهذه ستّة أمور ضروريّ للعبد معرفتها ، ومشاهدتها ومطالعتها . فتشهده الآخرة حتّى كأنّه فيها ، وتغيّبه عن الدّنيا حتّى كأنّه ليس فيها ، وتميّز له بين الحقّ والباطل في كلّ ما اختلف فيه العالم ، فتريه الحقّ حقّا ، والباطل باطلا . وتعطيه فرقانا ونورا يفرّق
هامش
( 1 ) الإحياء للغزالي ( 4 / 423 ) . ( 2 ) تل الشيء في يده : وضعه فيها .