تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 845

مساهمون:

ص٨٤٥
الثّقيل ، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السّبيل . وتصدّه عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النّعم بشكر ربّه الجليل ، وتبصّره بحدود الحلال والحرام ، وتوقفه عليها لئلّا يتعدّاها فيقع في العناء الطّويل ، وتثبّت قلبه عن الزّيغ والميل عن الحقّ والتّحويل . وتسهّل عليه الأمور الصّعاب والعقبات الشّاقّة غاية التّسهيل . وتناديه كلّما فترت « 1 » عزماته ، وونى « 2 » في سيره : تقدّم الرّكب وفاتك الدّليل . فاللّحاق اللّحاق ، والرّحيل الرّحيل ، وتحدو به وتسير أمامه سير الدّليل وكلّما خرج عليه كمين من كمائن العدوّ أو قاطع من قطّاع الطّريق نادته : الحذر الحذر ، فاعتصم باللّه ، واستعن به ، وقل : حسبي اللّه ونعم الوكيل . وفي تأمّل القرآن وتدبّره ، وتفهّمه أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد « 3 » .

الفرق بين التأمل والتفكر والتدبر :

قد يظنّ المرء للوهلة الأولى أنّ هذه الصّفات الثّلاثة مترادفة أي أنّها ذات معنى واحد ، ولكن لا يلبث هذا الظنّ أن يتلاشى عند التّحقيق العلمي ؛ لأنّ بينها فروقا دقيقة تحتّم أن نجعلها صفات مستقلّة ، فالتّأمّل في أصل اللّغة مأخوذ من مادّة ( أم ل ) الّتي تدلّ على التثبّت . والانتظار ، والتّفكّر مأخوذ من مادة ( ف ك ر ) الّتي تدلّ على تردّد القلب في الشّيء ، أمّا التّدبّر فمأخوذ من مادّة ( د ب ر ) الّتي يقصد بها النّظر في عواقب الأمور . ومن النّاحية الاصطلاحيّة نجد التّفكّر يشير إلى جولان الفكرة وهي القوّة المطرقة للعلم بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان كما يقول الرّاغب « 4 » ، ولا يقال هذا إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب ، ولهذا روي : « تفكّروا في آلاء اللّه ولا تفكّروا في اللّه » . وقد عرّفه الجرجانيّ بأنّه تصرّف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب « 5 » ، ونقل عن بعضهم : أنّ الفكر مقلوب عن الفرك ، لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى الحقيقة ، أمّا الفرك فيكون في الأمور الحسّيّة لا المعنويّة ، وهذا دليل على ما ذهب إليه فقهاء اللّغة العربيّة من دوران المادّة حول معنى ( عامّ ) واحد ، مع اختلاف في التّفاصيل ولا يشترط في التّفكّر إدامة النّظر ولا أن يتجاوز الحاضر إلى ما يؤول إليه الشّيء مستقبلا . أمّا التّأمّل فقد روعي فيه إدامة النّظر والتّثبّت إذ جاء في تعريفه أنّه « تدقيق النّظر في الكائنات بغرض الاتّعاظ والتّذكّر « 6 » أي إنّه قد روعي إدامة الفكر واستمراريّته ومن ثمّ فلا تكون النّظرة
هامش
( 1 ) فترت : ضعفت . ( 2 ) ونى : أبطأ . ( 3 ) مدارج السالكين ( 1 / 485 - 487 ) . ( 4 ) انظر المفردات للراغب ( 374 ) . ( 5 ) التعريفات ( 66 ) . ( 6 ) انظر التعريف الاصطلاحي للتأمل ، وقد عرفه الكفوي بأنه استعمال الفكر مطلقا ، انظر الكليات ( 2 / 60 ) .