وتتلّ « 1 » في يده مفاتيح كنوز السّعادة والعلوم النّافعة . وتثبّت قواعد الإيمان في قلبه . وتشيّد بنيانه ، وتوطّد أركانه . وتريه صورة الدّنيا والآخرة ، والجنّة والنّار في قلبه . وتحضره بين الأمم وتريه أيّام اللّه فيهم . وتبصّره مواقع العبر ، وتشهده عدل اللّه وفضله . وتعرّفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله ، وما يحبّه وما يبغضه ، وصراطه الموصّل إليه ، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه ، وقواطع الطّريق وآفاتها . وتعرّفه النّفس وصفاتها ، ومفسدات الأعمال ومصحّحاتها وتعرّفه طريق أهل الجنّة وأهل النّار وأعمالهم ، وأحوالهم وسيماهم . ومراتب أهل السّعادة وأهل الشّقاوة ، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه . وافتراقهم فيما يفترقون فيه .
وبالجملة تعرّفه الرّبّ المدعوّ إليه ، وطريق الوصول إليه ، وما له من الكرامة إذا قدم عليه .
وتعرّفه مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما يدعو إليه الشّيطان ، والطّريق الموصّلة إليه ، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه .
فهذه ستّة أمور ضروريّ للعبد معرفتها ، ومشاهدتها ومطالعتها . فتشهده الآخرة حتّى كأنّه فيها ، وتغيّبه عن الدّنيا حتّى كأنّه ليس فيها ، وتميّز له بين الحقّ والباطل في كلّ ما اختلف فيه العالم ، فتريه الحقّ حقّا ، والباطل باطلا ، وتعطيه فرقانا ونورا يفرّق به بين الهدى والضّلال ، والغيّ والرّشاد ، وتعطيه قوّة في قلبه ، وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا . فيصير في شأن والنّاس في شأن آخر .
فإنّ معاني القرآن دائرة على التّوحيد وبراهينه ، والعلم باللّه وما له من أوصاف الكمال ، وما ينزّه عنه من سمات النّقص ، وعلى الإيمان بالرّسل ، وذكر براهين صدقهم ، وأدلّة صحّة نبوّتهم ، والتّعريف بحقوق مرسلهم ، وعلى الإيمان بملائكته ، وهم رسله في خلقه وأمره ، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته ، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلويّ والسّفليّ ، وما يختصّ بالنّوع الإنسانيّ منهم ، من حين يستقرّ في رحم أمّه إلى يوم يوافي ربّه ويقدم عليه ، وعلى الإيمان باليوم الاخر وما أعدّ اللّه فيه لأوليائه من دار النّعيم المطلق ، الّتي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ولا تنغيص ، وما أعدّ لأعدائه من دار العقاب الوبيل الّتي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح ؛ وعلى تفصيل ذلك أتمّ تفصيل وأبينه ؛ وعلى تفاصيل الأمر والنّهي ، والشّرع والقدر ، والحلال والحرام ، والمواعظ والعبر ، والقصص والأمثال ، والأسباب والحكم ، والمبادى والغايات ، في خلقه وأمره .
فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربّه بالوعد الجميل ، وتحذّره وتخوّفه بوعيده من العذاب الوبيل « 2 » ، وتحثّه على التّضمّر « 3 » والتّخفّف للقاء اليوم
هامش
( 1 ) تلّ الشيء في يده - بالمثناة الفوقية - : وضعه فيها .
( 2 ) الوبيل : الوخيم وزنا ومعنى .
( 3 ) التّضمّر : الإسراع .