مُحْسِنِينَ
المعنى - كما ورد عن ابن عبّاس : كانوا محسنين في أعمالهم « 1 » .
من هذا يتّضح الارتباط الكامل والعلاقة الجوهريّة بين الإحسان بمعانيه كافّة والحسنة في كلّ استخداماتها في القرآن الكريم « 2 » . فإذا كان الإحسان شجرة فالحسنة ثمرته ، ولمّا كانت الشّجرة طيّبة كانت ثمرتها حلوة المذاق حسنة المنظر في الدّنيا والآخرة « 3 » .
منزلة الإحسان :
قال ابن القيّم - رحمه اللّه - : الإحسان من منازل
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
، وهذه المنزلة هي لبّ الإيمان وروحه وكماله ، وهي جامعة لما عداها من المنازل ، فجميعها منطوية فيها ، وممّا يشهد لهذه المنزلة قوله تعالى :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
( الرحمن / 60 ) ، إذ الإحسان جامع لجميع أبواب الحقائق ، وهو أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، والإحسان الأوّل في الآية الكريمة هو - كما قال ابن عبّاس والمفسرون - هو قول لا إله إلّا اللّه ، والإحسان الثّاني هو الجنّة ، والمعنى : هل جزاء من قال لا إله إلّا اللّه وعمل بما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا الجنّة ، وقد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قرأ الآية الكريمة ثمّ قال : « هل تدرون ماذا قال ربّكم ؟ » . قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال :
« هل جزاء من أنعمت عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة » وفي هذا الحديث إشارة إلى كمال الحضور مع اللّه عزّ وجلّ ، ومراقبته ، ومحبّته ، ومعرفته ، والإنابة إليه ، والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان .
بين الإحسان والإنعام :
الإحسان أعمّ من الإنعام أو التفضّل على الغير لأنّه يشمل الإحسان إلى النّفس كما يشمل الإحسان في النّيّة والفعل .
بين الإحسان والعدل :
وفيما يتعلّق بالعدل فإنّ الإحسان فوقه لأنّه إذا كان العدل يعني أن يأخذ الإنسان ما له ويعطي ما عليه ، فإنّ الإحسان يعني أن يأخذ الإنسان أقلّ ممّا له وأن يعطي أكثر ممّا عليه ، فالإحسان بذلك زائد على العدل ، وإذا كان تحرّي العدل من الواجبات فإنّ تحرّي الإحسان ندب وتطوّع ، وكلاهما مأمور به في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
( النحل / 90 ) . ففي هذه الآية الكريمة إشارة إلى الفضل مع العدل ، فالعدالة لابدّ منها لضبط الأمور وإنصاف بعضهم من بعض ، وعندما سأل عمر بن عبد العزيز محمّد بن كعب القرظيّ - رحمهما اللّه - قائلا : صف لي العدل ، قال :
بخ ، سألت عن أمر جسيم ، كن لصغير النّاس أبا ، ولكبيرهم ابنا ، وللمثل أخا ، وللنّساء كذلك ! وعاقب النّاس على قدر ذنوبهم ، ولا تضر بنّ في غضبك سوطا واحدا فتكون من العادين . ذاك وصف العدل . أمّا الفضل فله سيرة أخرى لعلّ أقربها ما جاء عن عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : « ألا أدلّك على أكرم أخلاق الدّنيا والآخرة ؟ أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وذاك هو الإحسان » « 4 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ( 17 / 35 ) .
( 2 ) اقتبسنا معاني الحسنة من نزهة الأعين النواظر ( 259 - 260 ) .
( 3 ) مدارج السالكين ( 2 / 479 ) بتصرف يسير .
( 4 ) المحاور الخمسة ( 192 ) .