تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
الصّحيحين : « أنّ امرأة بغيّا رأت كلبا يلهث من العطش ، يأكل الثّرى ، فنزعت خفّها وأدلته في بئر ، ونزعت فسقته فغفر اللّه لها » ، وفي الحديث الشّريف « إنّا للّه كتب الإحسان على كلّ شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة » رواه مسلم . فإلى حقيقة الإحسان ترجع أصول وفروع وآداب المعاشرة كلّها في المعاملة والصّحبة ، والعفو عن الحقوق الواجبة من الإحسان لقوله تعالى :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
( آل عمران / 134 ) « 1 » . ويقول ابن قيّم الجوزيّة ما خلاصته : الإحسان على ثلاث درجات : الدّرجة الأولى : الإحسان في القصد بتهذيبه علما وإبرامه عزما وتصفيته حالا . الدّرجة الثّانية : الإحسان في الأحوال وهو أن تراعيها غيرة ، وتسترها تظرّفا ، وتصحّحها تحقيقا ، والمراد بمراعاتها : حفظها وصونها غيرة عليها أن تحوّل فإنّها تمرّ مرّ السّحاب ، وتكون المراعاة أيضا بدوام الوفاء وتجنّب الجفاء . . . الدّرجة الثّالثة : الإحسان في الوقت وهو ألّا تزايل المشاهدة أبدا ، ولا تخلط بهمّتك أحدا ، والمعنى في ذلك أن تتعلّق همّتك بالحقّ وحده ، ولا تعلق همّتك بأحد غيره . . . « 2 »

القيمة التربوية للإحسان :

قال أحد المعاصرين : الإحسان من عناصر التّربية الواعية نأخذه من قوله تعالى :
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
( البقرة / 195 ) ، والإحسان في صورته العليا صفة ربّ العالمين ، لأنّ الإساءة تنتج عن الجهل والعجز والقصور وما إلى ذلك من أوصاف مستحيلة على اللّه تعالى . إنّه سبحانه تحدّث عن صنعه للكون الكبير ، فقال :
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
( النمل / 88 ) ، وطلب إلى النّاس أن يفتّشوا عن مأخذ في هذه الصّناعة يشينها ، وهيهات
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
( الملك / 3 - 4 ) سبحانه من خالق
أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
( السجدة / 7 ) ، واللّه سبحانه عندما نشر أبناء آدم فوق الثّرى ، وناط بهم رسالة الحياة ، كلّفهم - كي يكونوا ربّانيّين - أن يحسنوا العمل ، وأن يبلغوا به درجة الكمال ، وإذا غلبتهم طباعهم الضّعيفة فلم يصلوا إلى هذا الشّأن كرّروا المحاولات ، ولم يستريحوا إلى نقص أو قصور ، وعليهم أن يجاهدوا حتّى يبلغوا بأعمالهم درجة الكمال المستطاع ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيء . . . » « 3 » ، حتّى في معاملة الحيوان الأعجم ، وقد مرّ المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم على رجل واضع رجله على صفحة شاة ، وهو يحدّ شفرته ، وهي تلحظ إليه ببصرها ، فقال : « أفلا قبل هذا . . . أتريد أن تميتها موتتين ؟ هلا أحددت شفرتك « 4 » قبل
هامش
( 1 ) التحرير والتنوير ( 14 / 255 ، 256 ) ( 2 ) مدارج السالكين ( 2 / 480 ) وما بعدها . ( 3 ) انظر الحديث رقم ( 4 ) . ( 4 ) إحداد الشفرة يعني إمضاء آلة الذبح وهي السكين .