تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
حديث أبي هريرة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سدّدوا وقاربوا ، واعلموا أنّه لن ينجو أحد منكم بعمله . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمة منه وفضل » فجمع في هذا الحديث مقامات الدّين كلّها . فأمر بالاستقامة وهي السّداد ، والإصابة في النّيّات والأقوال . وأخبر في حديث ثوبان أنّهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة ، وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم ، كالّذي يرمي إلى الغرض ، وإن لم يصبه يقاربه . ومع هذا فقد أخبرهم أنّ الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة ، فلا يركن أحد إلى عمله ، ولا يرى أنّ نجاته به ؛ بل إنّما نجاته برحمة اللّه وغفرانه وفضله . فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدّين ، وهي القيام بين يدي اللّه تعالى على حقيقة الصّدق ، والوفاء بالعهد . والاستقامة تتعلّق بالأقوال والأفعال والأحوال والنّيّات . فالاستقامة فيها ، وقوعها للّه وباللّه وعلى أمر اللّه . قال بعضهم : كن صاحب الاستقامة ، لا طالب الكرامة ؛ فإنّ نفسك متحرّكة في طلب الكرامة ، وربّك يطالبك بالاستقامة . فالاستقامة للحال بمنزلة الرّوح من البدن ، فكما أنّ البدن إن خلا عن الرّوح فهو ميّت فكذلك الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد . وكما أنّ حياة الأحوال بها ، فزيادة أعمال الزّاهدين أيضا ونورها وزكاؤها بها ، فلا زكاء للعمل ولا صحّة بدونها « 1 » . وقال رحمه اللّه تعالى : « من هدي في هذه الدّار إلى صراط اللّه المستقيم الّذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه ، هدي هناك إلى الصّراط المستقيم الموصل إلى جنّته دار ثوابه ، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصّراط الّذي نصبه اللّه لعباده في هذه الدّار ، يكون ثبوت قدمه على الصّراط المنصوب على متن جهنّم ، وعلى قدر سيره على هذا الصّراط يكون سيره على ذاك الصّراط ، ولينظر العبد الشّبهات والشّهوات الّتي تعوقه عن سيره على هذا الصّراط المستقيم ؛ فإنّها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصّراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه فإن كثرت هنا ، وقويت فكذلك هي هناك
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( فصلت / 46 ) » « 2 » .

إذا استقام القلب استقامت الجوارح :

قال ابن رجب - رحمه اللّه تعالى - : « أصل الاستقامة استقامة القلب على التّوحيد ، وقد فسّر أبو بكر - رضي اللّه عنه - الاستقامة في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا *
: بأنّهم لم يلتفتوا إلى غيره ، فمتى استقام القلب على معرفة اللّه ، وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبّته وإرادته ورجائه ودعائه والتّوكّل عليه والإعراض عمّا سواه ، استقامت الجوارح كلّها على طاعته ، فإنّ القلب هو ملك الأعضاء ، وهي جنوده ، فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه . وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب
هامش
( 1 ) مدارج السالكين ( 2 / 103 - 109 ) ، وانظر بصائر ذوي التمييز ( 4 / 311 - 313 ) . ( 2 ) بتصرف من التفسير القيم ( 109 ) .