اللّه ، لا تعجل عليّ ، إني كنت : امرأ ملصقا في قريش حليفا ، ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام » فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما إنّه قد صدقكم » . فقال عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - : « يا رسول اللّه : دعني أضرب عنق هذا المنافق » ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعلّ اللّه اطّلع على من شهد بدرا وقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » « 1 » ، فأنزل اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
« 2 » . فدمعت عينا عمر وقال : « اللّه ورسوله أعلم » « 3 » .
بدأت قوات الفتح مسيرتها المظفرة من المدينة في العاشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة « 4 » ، بعد أن استخلف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري « 5 » ، وكانوا صياما فواصلوا الصوم حتى بلغوا كديدا فأفطر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأفطر الجيش « 6 » ، وقد وصل المسلمون إلى مرّ الظهران وعسكروا هناك دون أن تصل قريشا أية أخبار عن تحركهم مما يدل على نجاح المسلمين في تعمية الأخبار « 7 » وفي الطريق إلى مكة ، قدم بعض زعماء قريش إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأعلنوا إسلامهم ، منهم ابن عم أبيه وأخوه من الرضاعة أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب « 8 » ،
هامش
( 1 ) البخاري - الصحيح 4 / 72 ( حديث 4274 ) ، مسلم - الصحيح 2 / 170 ، 4 / 1921 - 1922 ( حديث 2494 ) ، ابن هشام - السيرة 2 / 399 ، الواقدي - مغازي 2 / 798 - 799 ، ابن كثير - البداية والنهاية 4 / 333 من حديث البيهقي .
( 2 ) القرآن الكريم - سورة الممتحنة ، الآية / 1 ، وانظر البخاري - الصحيح ( فتح الباري - حديث 4274 ) ، مسلم - الصحيح 4 / 1941 - 1942 ( حديث 2494 ) .
( 3 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري ، حديث 3983 ) .
( 4 ) مسلم - شرح النووي 3 / 176 ( حديث 113 - 114 ) .
( 5 ) ابن هشام - السيرة 2 / 399 ، ابن حجر - المطالب العالية 4 / 248 ، الحاكم - المستدرك 3 / 44 ، وانفرد ابن سعد - الطبقات 2 / 135 بأنه عبد اللّه بن أم كلثوم ، معلقا .
( 6 ) البخاري - الصحيح 5 / 185 ، فتح الباري 4 / 180 - 181 ( حديث 4275 ) ، مسلم - الصحيح 2 / 784 ( حديث 1113 ) وفي رواية ثانية عند مسلم : أن الإفطار كان بكراع الغميم ( الصحيح حديث 1114 ) والموضعان متقاربان .
( 7 ) صحيح مسلم - شرح النووي 3 / 176 وقد وردت روايات صحيحة بخروج بعض زعماء قريش يتحسسون الأخبار وإلى أنهم رأوا نيران المسلمين وتعجبوا من كثرة الجيش وأن أحدهم قد ظن أنهم خزاعة ، ابن حجر - المطالب 4 / 244 - 248 .
( 8 ) كان أبو سفيان بن الحارث من أشد وألد خصوم الإسلام فقد استمر في مقاومته للرسول والإسلام طوال عشرين سنة وشارك في أغلب الحروب مع قوات المشركين وكان يهجو المسلمين . ولكنه أسلم وحسن إسلامه وجاهد مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانت له مواقف بطولية وصمود مشهود مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في يوم حنين ، الحاكم - المستدرك 3 / 43 - 45 ، ابن هشام - السيرة 2 / 400 ، الطبري - تاريخ 3 / 50 ، البيهقي - دلائل النبوة 5 / 27 - 8 ، الهيثمي - مجمع الزوائد 6 / 164 - 167 ، ونقل مسلم في صحيحه 2 / 395 - قصيدته التي قالها في إسلامه .