البردة
( شرف الدين محمد البوصيري )
أمن تذكر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبّت الريح من تلقاء كاظمة * وأومض البرق في الظلماء من إضم
فما لعينيك إن قلت إكففا همتا * وما لقلبك إن قلت استفق يهم
أيحسب الصّبّ أنّ الحبّ منكتم * ما بين منسجم منه ومضطرم
لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل * ولا أرقت لذكر البان والعلم
فكيف تنكر حبّا بعد ما شهدت * به عليك عدول الدّمع والسّقم
وأثبت الوجد خطّى عبرة وضني * مثل البهار على خدّيك والعنم
نعم سرى طيف من أهوى فأرقّني * والحب يعترض اللّذات بالألم
يا لائمي في الهوى العذريّ معذرة * منّي إليك ولو أنصفت لم تلم
عدتك حالي لاسرّي بمستتر * عن الوشاة ولا دائي بمنحسم
محضتني النّصح لكن لست أسمعه * إنّ المحبّ عن العذّال في صمم
إنّي اتهمت نصيح الشّيب في عذل * والشّيب أبعد في نصح عن التّهم
فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت * من جهلها بنذير الشّيب والهرم
ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى * ضيف ألّم برأسي غير محتشم
لو كنت أعلم أني ما أوقّره * كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم
من لي بردّ جماح من غوايتها * كما يردّ جماح الخيل باللّجم
فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها * إنّ الطّعام يقوّي شهوة النّهم
والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على * حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم
فاصرف هواها وحاذر أن تولّيه * إنّ الهوى ما تولّى يصم أو يصم