تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مائة صورة مشرقة من حياة المصطفى ( ص ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
وعلى أثر هذه الأكلة مات بشر ، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم زينب بنت الحارث ، فاعترفت بما صنعته . فقال صلّى اللّه عليه واله وسلّم : ما حملك على ذلك ؟ قالت : قلت في نفسي : إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر . فتجاوز عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم . « 1 » هذه الصورة من سيرة المصطفى صلّى اللّه عليه واله وسلّم ترشدنا إلى مسألة مهمة في منهاج الرسالة ، وقضية لا يمكن التغافل عنها في مسيرة الرساليين ، وهي ان من النادر جدا أن نجد في التاريخ قائدا خرج للتو من عدة معارك بانتصارات باهرة ، وذات الانتصارات التي حاز عليها تعد خطوة كبيرة لتحقيق انتصارات جديدة في أفق الفتوحات . . عادة في مثل تلك اللحظات لا يغيب الغرور والعجب والفرح عن قلب ذلك القائد المنتصر ؛ فتصور ماذا يعمل إذا امسك بأحد يريد اغتياله في تلك الساعة ؟ لا شك سرعان ما يخطر ببالنا انه سينزل عليه صاعقة من العذاب ، ولم يبق له أثر في الوجود . لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم في مثل تلك الظروف واجه عملية الاغتيال بالمسامحة ، ليبين لنا أخلاق الأنبياء . إذ انه رغم الانتصارات الكبيرة التي حققها لم تأخذه نشوة الانتصار ، وغرور القوة ، وهيبة الفتح . . ليبطش بالتي أرادت اغتياله بالسم ، بلا تجاوز عنها حينما أبدت له عن مقصدها من عملها ذلك بصدق . هذا الموقف يكشف عن قمة الخلق الفاضل الموسوم بالمسامحة وسعة الصدر في مواجهة الطوارئ ، دون أن يركن إلى هوى النفس ليواجه مثل هذا الحدث بالعنف والغضب .
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام / ج 3 / ص 351 - 353 .