من يلمحه ببصره . وعليه تكاثر الجمع ، وازدحم الناس ، وارتفعت الأصوات . .
عندها مر رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم وهو في مسيره إلى مكان ما فلاحظ ذلك المنظر ، فوقف لحظة وسأل من الناس عن سبب اجتماعهم ، فأجابه بعضهم : على مجنون يصرع .
فدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم من ذلك المصروع والقى عليه نظرة ، ثم تصفح وجوه الحافين به من كل صوب ، فبادرهم بالقول : ما هذا بمجنون .
عندها راح الجميع يتساءل مع نفسه : يا ترى كيف لم يكن هذا المصروع مجنونا ، وهل المجنون غير هذا ؟ !
لم تمض لحظات على هذه الالتفاتة المحيرة ، وإذا برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم سرعان ما بدّد حيرتهم واستغرابهم ، حيث قال لهم : ألا أخبركم بالمجنون حقّا ؟
فتشوق الجميع لمعرفة ذلك ، فقالوا : بلى ؛ وكلهم إذن صاغية ، وأذهان متفتحة . .
ينتظرون بفارغ الصبر بيان رسول اللّه .
حينئذ أماط رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم الستار عن حقيقة يكاد الكثير لا يفقهها ، وهي ان المجنون حقّا هو ذلك المتكبّر الذي يتبختر في مشيته ، وينظر في عطفيه ، ويحرك جنبيه بمنكبيه .
وهنا قد يسأل سائل : أليس المجنون هو كلّ من فقد عقله ؟
والجواب على ذلك : نعم .
وتبعا لذلك ينبعث السؤال التالي : إذن كيف يكون المتبختر في مشيته ، والناظر في عطفيه مجنونا ، وهو يعي ما يقول ، ويدرك ما يعمل ؟
الجواب ؛ إن التكبّر والتعالي على الناس يجعل صاحبه لا يعمل وفق ما يقرّره عقله ، وإنما يتعامل مع كل الأحداث ومع كلّ من حوله بأهوائه ورغباته ، وهي التي لا تتوافق - عادة - مع العقل ، بل وفي كثير من الأحيان تتنافى معه .
مائة صورة مشرقة من حياة المصطفى ( ص ) — صفحة 209
مساهمون: طالب خان
ص٢٠٩