وسارت العلاقة بين الدينين في مجراها الذي أبنّا عنه انفا ، حتى تحولت إلى حرب طاحنة بين المسلمين والرومان .
وكانت النصرانية - مع تفوّق الرومان السياسي والعسكري - تسود شمال الجزيرة وجنوبها .
فرأى المسلمون - وهم في حرب مع دولة الروم - أن يحدّدوا موقفهم مع نصارى الجنوب ، خصوصا وأنّ الروم كانوا يغدقون العطايا على مبشريهم هناك ، ويبنون لهم الكنائس ، ويبسطون عليهم الكرامات ، ويشجّعونهم على المضي في تنصير القبائل المتوطنة بهذه الأرجاء .
فأرسل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى أهل ( نجران ) كتابا جاء فيه : « باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، أما بعد : فإنّي أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة العباد . . .
وأدعوكم إلى ولاية اللّه من ولاية العباد .
فإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم فقد اذنتكم بحرب ، والسّلام » « 1 » .
فأرسلت نجران - وهي كعبة النصرانية جنوبا - وفدها إلى المدينة ليقابل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويتفاهم معه ، ووافى الوفد المدينة بعد العصر ودخل المسجد .
فكان أول ما صنع أن اتجه إلى بيت المقدس يصلّي للّه على ما تقضي به طقوس المسيحية ، وأراد الناس منعهم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « دعوهم » « 2 » . . .
حتى انتهوا من عبادتهم . . .
ورآهم النبي صلى اللّه عليه وسلم قد لبسوا لملاقاته أردية الكهنوت الفاخرة ، وتحلّوا بخواتم الذّهب ، وجاؤوا يخبّون في الحرير ، وتبدو لهم - بين القلانس والطيالس - سيماء التكلّف الشديد .
فأبى أن يتحدّث معهم ، حتى يرجعوا إلى ملابس سفرهم ، ويدعوا هذه الزينة « 3 » .
هامش
( 1 ) ضعيف ، رواه البيهقي عن يونس بن بكير ، عن سلمة بن يسوع ، عن أبيه ، عن جده . وهذا سند مجهول . سلمة هذا ومن فوقه لم أجد من ترجمهم ، وأبو يسوع لم يورده الحافظ في ( الكنى ) من الصحابة . فاللّه أعلم . ثم رأيت ابن كثير قد ذكره في التفسير : 1 / 369 ، ووقع فيه : « سلمة بن عبد يسوع » ، ولعلّه الصواب .
( 2 ) ضعيف ، أخرجه ابن هشام : 2 / 46 ، عن ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال . . . فذكره . وهذا مرسل أو معضل .
( 3 ) هذا من حديث عبد يسوع السابق .