وانحاز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات اليمين وقد أغضبه هذا الفرار ، فقال : « أين أيها النّاس ؟ ! هلمّوا إليّ ، أنا رسول اللّه ، أنا محمّد بن عبد اللّه » .
فلا يرد عليه شيء ، وركبت الإبل بعضها بعضا وهي مولية بأصحابها « 1 » .
ولمح النبي صلى اللّه عليه وسلم وراءها رجلا من ( هوازن ) على جمل له أحمر ، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل ، ( وهوازن ) خلفه ، إذا أدرك الفارين طعن برمحه ، وإذا فاتوه رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه .
إن الذي تولّى كبر هذه المهزلة الشائنة هم الطلقاء من أهل مكة ورعاع البدو . ووقف النبي صلى اللّه عليه وسلم ساكن الجأش ، يدير الرأي في خطة ينقذ بها سمعة الإسلام ومستقبله ، وقد أحاط به لفيف من المهاجرين الأولين ومن أهل بيته .
فأمر العبّاس بن عبد المطلب - وكان جهير الصوت - أن ينادي : يا معشر الأنصار يا أصحاب البيعة يوم الحديبية « 2 » . .
لقد هداه الحقّ أن يهتف بأصحاب العقائد ، ورجال الفداء عند الصدام فهم واحدهم - الذين تنجح بهم الرسالات وتفرّج الكروب .
أما هذا الغثاء من العوام الحراص على الدنيا ، السعاة إلى المغانم ، فما يقوم بهم أمر ، أو تثبت بهم قدم .
الثبات والنصر :
وفي ضجة الفزع الذي ساد المعركة أولا ، علت صيحات العباس رضي اللّه عنه ، ووصلت إلى اذان الرجال المشدوهين لما وقع ، فأخذوا يكافحون ليبلغوا مصدر الصوت .
إذا أراد أحدهم أن يعطف بعيره ليعود به لا يقدر من ضغط الفارين ، فما يجد بدا من أن يقذف درعه من عنقه ، ويحمل سيفه وترسه ثم يؤمّ الصوت .
واجتمع حول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عدد من الرجال الذين دعاهم ، وهم يصيحون :
لبيك لبيك ، حتى قارب القوم مئة ، فاستقبل النبي صلى اللّه عليه وسلم بهم المشركين ، وقد ملك
هامش
( 1 ) صحيح أخرجه ابن هشام : 2 / 289 ، وابن جرير : 2 / 347 ، كلاهما عن ابن إسحاق بسنده الصحيح ، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه .
( 2 ) صحيح ، رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن العباس ، وقد ساقه ابن جرير وابن هشام عنه ؛ وهو في مسلم : 5 / 166 - 167 نحوه .