معركة حنين
بيد أنّ هذا الغلب - فتح مكة - كان له ردّ فعل معاكس لدى القبائل الكبيرة القريبة من مكة ، وفي مقدمتها ( هوازن ) و ( ثقيف ) وتعتبر الطائف قصبتها ، وهي أكبر المدن في الجزيرة بعد مكة ويثرب .
اجتمع رؤساء هذه القبائل على ( مالك بن عوف ) سيد ( هوازن ) ، وأجمعوا أمرهم على المسير لقتل المسلمين قبل أن تتوطّد دعائم الفتح ، وقبل أن يتحرّكوا لاستئصال ما بقي من معالم الوثنية المدبرة .
وكان ( مالك بن عوف ) شجاعا مقداما ، إلا أنّه سقيم الرأي سيّئ المشورة .
فأمر قومه - وهم خارجون للغزو - أن يأخذوا معهم نساءهم وأموالهم وذراريهم ؛ ليشعر كل رجل وهو يقاتل أن ثروته وحرمته وراءه ، فلا يفرّ عنها .
وقد اعترضه ( دريد بن الصمّة ) ، وهو فارس مجرّب محنّك ، وقال له : هل يرد المنهزم شيء ؟ إن كانت الدائرة لك لم ينفعك إلا رجل برمحه وسيفه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك .
فسفّه مالك رأيه ، وأصر على خطته .
وعلم المسلمون بمخرج أعدائهم ، فأرسلوا عيونهم يتعرّفون عدتهم وهيئتهم .
روى أبو داود : أنّ رجلا جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا ، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم ، اجتمعوا إلى ( حنين ) . فتبسّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء اللّه » « 1 » .
إنّ السهولة التي تمّ بها فتح مكة ، وإحساس جمهور المؤمنين أنّ الجاهلية تلفظ أنفاسها الأخيرة فلن تبدي مقاومة تذكر ، وظنّ حدثاء العهد بالإسلام أنّ
هامش
( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه أبو داود : 1 / 391 - 392 ، عن سهل بن الحنظلية بسند صحيح .