القضاء في ذلك إلى اللّه تعالى ، ولبيان هذه القاعدة يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عمر رضي اللّه عنه : « إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم » . ويقول فيما رواه الشيخان : « إنما تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ، فلا يأخذ منه شيئا ، فإنما هو قطعة من النار » .
والحكمة من مشروعية هذه القاعدة ، أن تظل العدالة بين الناس في مأمن من التلاعب بها والنيل منها إذ ربما اتخذ بعض الحكام من حجية الأدلة الوجدانية والاستنتاجية وحدها ذريعة إلى الإضرار ببعض الناس بدون حق .
وتطبيقا لهذه القاعدة الشرعية ، كان رسول اللّه على الرغم من اطلاعه على كثير من أحوال المنافقين وما تسره أفئدتهم ، بوحي من اللّه تعالى ، يعاملهم معاملة المسلمين دون أي تفريق في الأحكام الشرعية العامة .
وهذا لا ينافي أن يكون المسلمون في حذر دائم من المنافقين ، وأن يكونوا في يقظة تامة أمام تصرفاتهم ، فذلك من الواجبات البدهية على المسلمين في كل ظرف ووقت .
رابعا : ( ولاية غير المسلمين ) : وإذا تأملنا في النتيجة التشريعية لهذه الحادثة ، وهي الآيات القرآنية التي نزلت تعليقا عليها ، علمنا أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتخذ من غير المسلم وليا له ، أي صاحبا تشيع بينهما مسؤولية الولاية والتعاون .
وهذا من الأحكام الإسلامية التي لم يقع خلاف فيها بين المسلمين ، إذ الآيات القرآنية الصريحة في هذا متكررة وكثيرة ، والأحاديث النبوية في تأكيد ذلك تبلغ مبلغ التواتر المعنوي ، ولا مجال هنا لسرد هذه الأدلة فهي معروفة غير خفية على الباحث .
ولا يستثنى من هذا الحكم إلا حالة واحدة ، هي ما إذا ألجىء المسلمون إلى الموالاة بسبب شدة الضعف التي قد تحملهم كرها على ذلك . فقد رخص اللّه في ذلك إذ قال :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
[ آل عمران : 28 ] .
وينبغي أن نعلم أن النهي عن موالاة غير المسلمين لا يعني الأمر بالحقد عليهم ، فالمسلم منهي عن أن يحقد على أحد من الناس ، وينبغي أن تعلم أن هنالك فرقا كبيرا بين أن يغضب الإنسان على أحد للّه تعالى ، وأن يحقد عليه ، أما الأولى فمصدره منكر لا يرضى عنه اللّه تعالى يستوجب من المسلم أن يغضب على فاعله بسببه ، وأما الثاني