وتبعهم عبد اللّه بن حرام يناشدهم اللّه أن لا يخذلوا نبيهم ، فلم يستجيبوا لندائه ، وقال زعيمهم : « لو نعلم قتالا لا تبعناكم » . وروى البخاري رضي اللّه عنه إن المسلمين اختلفوا في أمر هؤلاء الذين انخزلوا عن المسلمين ، ففرقة منهم تقول نقاتلهم ، وأخرى تقول دعوهم ، فنزل في ذلك قوله تعالى :
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
« 1 » [ النساء : 88 ] . واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود ، بناء على ما بينهم من ميثاق التناصر فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك » « 2 » .
وعسكر النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه - وهم لا يزيدون على سبعمائة مقاتل - في الشعب من أحد فجعل ظهور المسلمين إلى أحد واستقبلوا المدينة ، وجعل على الجبل خلف المسلمين خمسين راميا ، وأمّر عليهم عبد اللّه بن جبير وأوعز إليهم قائلا : « قوموا على مصافّكم هذه فاحموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا » « 3 » .
وألحّ كل من رافع بن خديج وسمرة بن جندب أن يشتركا مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في القتال ، وهما ابنا خمس عشرة سنة ، فردهما النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لصغر أسنانهما ، فقيل له : يا رسول اللّه إن رافعا رام ، فأجازه ، فجاء سمرة بن جندب يقول : فأنا واللّه أصرع رافعا ، فأجازه هو أيضا .
( ) وأمسك النبي صلى اللّه عليه وسلم بسيف فقال : « من يأخذ هذا السيف بحقه » ؟ فأقبل أبو دجانة قائلا : أنا آخذه بحقه ، فأعطاه إياه ، فأخرج أبو دجانة عصابة حمراء فعصب بها رأسه ( وكان ذلك شأنه عندما كان يريد أن يقاتل حتى الموت ) ، ثم راح يتبختر بين الصفوف ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنها لمشية يبغضها اللّه إلا في مثل هذا الموطن » « 4 » . ثم أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللواء لمصعب بن عمير رضي اللّه عنه . وكان الذي يقود ميمنة المشركين خالد بن الوليد ؟ . وميسرتهم عكرمة بن أبي جهل .
( ) فاقتتل الناس ، وحميت الحرب ، وراح المسلمون يحسون المشركين في اندفاع
هامش
( 1 ) صحيح البخاري : 5 / 31 .
( 2 ) طبقات ابن سعد : 3 / 80 ، وروى ابن إسحاق نحوه : 2 / 65 .
( 3 ) ابن سعد : 3 / 80 ، وابن هشام بألفاظ قريبة من هذه ، وروى نحوه البخاري : 5 / 29 .
( 4 ) ابن هشام : 1 / 233 ، وروى نحوه مسلم عن طريق حماد بن سلمة ، إلا أنه لم يرد في مسلم : أنها لمشية يبغضها اللّه . . ( انظر صحيح مسلم : 7 / 15 ) .