والجواب : أن الذي ألهب مشاعرهم وأثار الحقد الدفين في نفوسهم إنما هو ما وجدوه من انتصار المسلمين في بدر ، وهو أمر لم يكونوا يتوقعونه بحال ، فضاقت صدورهم بما احتوته من الغيظ والأحقاد ولم يجدوا إلا أن ينفسوا عنها بمثل هذا الذي أقدموا عليه ، بل إن حقدهم على المسلمين تجلّى صراحة فيما رويناه من كلامهم وتعليقاتهم على انتصار المسلمين في غزوة بدر :
روى ابن جرير أن مالك بن الصيف - أحد يهود المدينة - قال لبعض المسلمين عند رجوعهم من بدر : أغركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال ؟ أما لو أسررنا نحن العزيمة أن نستجمع عليهم ، لم يكن لكم يد على قتالنا .
ولو أن اليهود احترموا ما بينهم وبين المسلمين من عهد ومواثيق ، لما وجدوا من المسلمين من يسيء إليهم بكلمة أو يزعجهم في مسكن أو مقام ، ولكنهم أبوا إلا شرا فكان مردّ الشر على نفوسهم .
ثالثا : ( معاملة المنافق في الإسلام ) : - هذه الحادثة وما أعقبها من دفاع عبد اللّه بن أبيّ عن اليهود بالشكل الذي رأيناه ، لا تكاد تخفي من أمر نفاق هذا الرجل شيئا ، فقد اتضح من موقفه ذاك أنه كان يصطنع الإسلام نفاقا ، وأنه في أعماق قلبه إنما يضمر شرا بالإسلام وأهله .
غير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عامله مع ذلك كله على أنه مسلم ، فلم يخفر ذمته ، ولم يعامله معاملة المشرك أو المرتد أو الكاذب في إسلامه ، وأجابه إلى ما أصر وألحّ في طلبه .
وذلك يدل - كما أجمع العلماء - على أن المنافق إنما يعامل في الدنيا من قبل المسلمين على أنه مسلم ، يعامل كذلك ، وإن كان نفاقه مقطوعا به ، وسبب ذلك أن الأحكام الإسلامية في مجموعها تتكون من جانبين : جانب يطبق في الدنيا ويكلف المسلمون بتطبيقه على مجتمعاتهم وفيما بينهم ، ويشرف على ذلك الخليفة أو رئيس الدولة ، وجانب آخر يطبق في الآخرة ويكون أمره عائدا إلى اللّه تعالى .
فأما الجانب الأول فيقوم أمره على الأدلة القضائية المادية والمحسوسة بحيث لا يترتب شيء من نتائج الأحكام إلا بموجبها ، فليس للأدلة الوجدانية والقرائن الاستنتاجية أي أثر في هذا الجانب .
وأما الجانب الثاني فيقوم على ما استقر في القلوب واستكن في الصدور ، ومردّ
فقه السيرة ( البوطي ) — صفحة 184
مساهمون: محمد سعيد رمضان البوطي
ص١٨٤